كمبوديا أيضاً تتجه للتوريث!

توريث الحكم في آسيا ظاهرة معروفة للجميع منذ الخمسينيات، خصوصاً في حالات الرحيل بالاغتيال وما يفجره ذلك من عواطف جياشة تجاه الأسرة المنكوبة، لاسيما إذا كان الراحل بطلاً للاستقلال، أو رمزاً وطنياً كبيراً، أو صاحب إنجازات عظيمة.

قريباً جداً، سوف نكون أمام حالة مشابهة فريدة، مكانها كمبوديا وبطلها رئيس الوزراء «هون سين» الذي يحكم البلاد، في ظل ملكية دستورية غريبة، منذ عام 1985 دون انقطاع. أما الشخص المحظوظ المرشح لخلافته فهو ابنه «هون مانيت» الذي بات يكثر من الظهور رفقة والده في زياراته الخارجية، والتي كان آخرها زيارته إلى بكين في فبراير الماضي، حيث شوهد وهو يتلقى ترحيباً حاراً من الرئيس «شي جينبينغ».

والحقيقة لئن كانت مرافقة الابن لأبيه إلى اجتماعات القمم الرسمية نوعاً من الإعداد المبكر للابن لوراثة المنصب الأعلى في البلاد، فإن ترحيب الزعيم الصيني به بحرارة فســر على أنه تزكية صينية لما سيقدم عليه الزعيم الكمبودي.

وهذه التزكية مهمة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن كمبوديا هي الحليف الأبرز للصين ضمن دول تلك المنطقة، وأنها صاحبة مواقف ثابتة في تأييد بكين. ثم إذا ما أخذنا في الاعتبار أيضاً حقيقة أن واشنطن تنافس بكين على النفوذ في هذه الدولة، ما يعني أن لكلتا القوتين مصلحة في انتقال السلطة في فنوم بنه بطريقة سلسة.

وهكذا، تحبذ الصين موضوع التوريث كي تضمن استمرارية سياسات فنوم بنه الحالية تجاهها. أما واشنطن، التي تدهورت علاقاتها مع كمبوديا منذ عام 2017، على خلفية العقوبات التي فرضتها ضد حكومة فنوم بنه بسبب اتهامها بقمع الحريات السياسية، فتبدو هي الأخرى غير معارضة لمسألة التوريث على أمل أن يكون الزعيم المقبل أكثر قرباً منها، وهو أمل يراهن عليه الأمريكيون من منطلق أن «هون مانيت» تلقى علومه العسكرية على نفقتهم في أكاديمية «ويست بوينت»، ونال درجة الماجستير من جامعة نيويورك الأمريكية قبل حصوله على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة بريستول البريطانية.

أما رهانهم الآخر فمنطلقه أنه ينتمي إلى جيل الشباب، وبالتالي فإن طريقة تفكيره ونظرته إلى القضايا المحلية والخارجية لا بد وأن تكون مختلفة عن جيل والده، وقد يعيد التفكير في وضع كل البيض الكمبودي في السلة الصينية.

إلى الآن لم يصدر من «هون سين» أي تلميح حول موعد تخليه عن السلطة، وبالتالي فقد يستغرق ذلك زمناً طويلاً، خصوصاً أنه كان قد أعلن في وقت سابق أنه سيحتاج إلى عشر سنوات أخرى في زعامة الدولة وحزب كمبوديا الشعبي الحاكم، ناهيك عن وجود تصريح آخر له قال فيه إن حزبه سيظل ممسكاً بالسلطة لمدة مئة عام مقبلة. لكن إعداد الابن «هون مانيت» جار على قدم وساق.

ففي عام 2018 مثلاً تم تعيينه عضواً في اللجنة الدائمة للحزب الحاكم، كما تمت ترقيته في العام نفسه وتنصيبه قائداً للقوات الملكية الجوية. وفي شهر يونيو المنصرم عهدت إليه رئاسة لجنة الشباب في الحزب الحاكم.

أما قبل ذلك فقد لوحظ تعدد زيارته إلى الخارج بصفتيه الحزبية والعسكرية، وكثرة مشاركته في الأنشطة الرياضية وفعاليات تخريج طلبة الجامعات، والظهور على صفحات الفيسبوك (يمتلك حساباً هو الأكثر متابعة بعد حساب والده)، الأمر الذي فسره المراقبون على أنه عملية تسويق ذكية متدرجة لشخصه، وتحديداً في أوساط الجيل الجديد.

قد يتساءل البعض عما إذا كان الكمبوديون سيقبلون وينتخبون «هون مانيت» زعيماً لهم بدلاً من والده؟ وهذا التساؤل لا قيمة له لأن كمبوديا تتبع النظام البرلماني، وبالتالي فإن الشعب يصوت لصالح أحزاب ولا يختار شخصاً معيناً لقيادة البلاد.

وبما أنه لا توجد في البلاد أحزاب معارضة قوية، فإن فوز حزب كمبوديا الشعبي الحاكم في الانتخابات القادمة سنة 2023 مؤكد. وعليه يجب أن يكون التساؤل هو عما إذا كان الحزب الحاكم سيقبل بالرجل زعيما له وللدولة؟

هنا، ورغم الهيمنة الأخطبوطية لوالده، قد يواجه «هوت مانيت» المعارضة من قبل عواجيز وجنرالات الحزب القدامى ممن حاربوا في التسعينيات ويعتبرون أنفسهم أحق بزعامة كمبوديا، إلا إذا استبق «هون سين» الأمور ونصب ابنه خليفة له قبل عام 2023.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات