تحصين النظام الإقليمي العربي

في تغريدة له نُشرت أخيراً، اعتبر معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، أن طريق معركة تحصين النظام الإقليمي العربي لا يزال وعراً ولكنه يتعزز باستمرار، مشيراً بصورة خاصة إلى زيادة مستوى التنسيق السعودي - المصري للتصدي للتدخلات الإقليمية.

بهذه التغريدة قليلة الكلمات، لامس الوزير الإماراتي قضية جوهرية ترتبط بصميم الأمن القومي العربي، وهي أهمية تحصين نظامنا العربي الذي تعرض لاختراق خطير وغير مسبوق من القوى الإقليمية منذ اضطرابات ما يسمى «الربيع العربي»، التي خلقت فراغاً استراتيجياً خطيراً في أكثر من دولة عربية، سعت هذه القوى إلى استغلاله لترسيخ نفوذها وفرض هيمنتها على مقدرات هذه المنطقة ومواردها.

لقد دخل النظام العربي في أعقاب فوضى هذا الربيع المشؤوم في مرحلة جديدة بدا خلالها وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، مع سقوط دول عربية رئيسية في دائرة الاضطربات الداخلية والصراعات الأهلية، وصحوة التنظيمات الطائفية والإرهابية التي وجدت البيئة المثالية لنموها وتكاثرها، وصعود تيارات سياسية متسترة تحت رداء الدين، بشكل جعل الفرصة سانحة لدول الجوار لاختراق المنطقة والتدخل فيها، سواء بشكل مباشر أو عبر الأذرع الطائفية والإرهابية الموالية لها، حتى وصلنا إلى درجة تفاخرت فيها إحدى هذه الدول الإقليمية بالسيطرة على أربعة عواصم عربية، فيما رفعت الثانية شعارات استعادة أمجادها البائدة، والتغلغل في قلب النظام العربي بالتحالف مع جماعة الإخوان الإرهابية التي سهلت لها التدخل في أكثر من بلد عربي.

بطبيعة الحال لم تكن معركة استعادة النظام العربي لزمام المبادرة بالسهلة، لكن وجود دول عربية حريصة على الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وعلى رأسها دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية الشقيقة، كان نقطة الانطلاق في هذه المعركة، والتي تعززت بصورة كبيرة مع استعادة مصر في يوليو 2013 بعد أن حاول «الإخوان» اختطافها، ليتشكل تحالف سعودي - إماراتي - مصري، مثّل النواة الصلبة التي بدأت على أساسها محاولات ترميم هذا النظام العربي وتعزيز منعته في مواجهة التدخلات الإقليمية المزعزعة للاستقرار في ربوعه.

ومنذ ذلك الوقت بدأت معركة تحصين النظام العربي واستعادة تماسكه وقوته تتعزز باستمرار، لتشهد محطات مهمة وفارقة، كان أبرزها: عملية «عاصفة الحزم» التي شنها التحالف العربي بقيادة السعودية وبدعم قوي من الإمارات، لردع الانقلاب الحوثي المدعوم إيرانياً والحفاظ على عروبة اليمن واستقراره ضمن محيطيه الخليجي والعربي، وكذلك جهود فضح مخططات الإخوان، وتصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً بعدما اتضح للقاصي والداني الدور الخطير الذي تلعبه في زعزعة أمن المجتمعات العربية واستقرارها وسيادتها ووحدتها، ثم جاء الموقف المصري الحاسم في مواجهة التدخلات التركية الفجة في ليبيا، حيث رسمت القاهرة خطوطاً حمراء، وأعلنت أنها ستتدخل عسكرياً بشكل مباشر إذا تجاوز الأتراك وحلفاؤهم هذه الخطوط.

وبينما تستمر التحديات والتهديدات التي تواجه النظام الإقليمي العربي، مع مواصلة القوى الإقليمية مساعيها للتدخل في شؤون المنطقة ومحاولة فرض الهيمنة عليها بشكل مباشر وغير مباشر، تتضاعف الجهود السعودية - الإماراتية - المصرية، وتتنامى مؤشرات التنسيق والتعاون بين هذه الدول لزيادة منعة النظام الإقليمي العربي وتحصينه ضد كل أشكال وصور التدخلات الخارجية السلبية.

وفي هذا السياق جاء التحرك السعودي المدعوم إماراتياً لتوحيد الصف اليمني عبر جمع الفرقاء اليمنيين ووضع آلية لتسريع تنفيذ اتفاق الرياض الموقع عام 2019 برعاية سعودية إماراتية بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والذي توج بالنجاح.

كما جاء التحرك السعودي في الملف الليبي، من خلال جولة وزير الخارجية السعودي في دول شمال أفريقيا، والتي أكد فيها رفض كل التدخلات الأجنبية في الأزمة الليبية، بتوافق كامل مع موقف مصر تجاه هذه الأزمة. وغير ذلك من مؤشرات.

إن معركة تحصين النظام العربي في مواجهة التدخلات الإقليمية المثيرة للتوتر في ربوعه تحقق نجاحات كبيرة بفضل قوة التحالف السعودي - الإماراتي - المصري وإصراره على التصدي لكل أشكال وصور هذه التدخلات، ورغم أن المعركة لا تزال طويلة، فإن نتائجها مبشرة للغاية، لاسيما مع اقتناع معظم الدول العربية بأن المخرج من الواقع العربي المؤلم الحالي لن يكون إلا بإعادة الاعتبار لقيم التضامن العربي؛ لأن التدخلات الإقليمية باتت تستهدف أمن الجميع.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات