تونس رابحة والغنوشي خاسر

حافظ الخميس الماضي، رئيس حركة النهضة «الإخواني» راشد الغنوشي على موقعه كرئيس للبرلمان التونسي إثر عدم التمكّن من تمرير لائحة سحب الثقة منه وحصولها فقط على 97 صوتاً من أصل 109 أصوات مطلوبة لإجباره على التنحّي.

ولن نخوض في حيثيات وملابسات الجلسة العامّة للبرلمان، ولكن من البيّن أنّ هذه الجلسة كانت مسرحاً لعدد من التجاوزات، وبلغت فيها نسبة التوتّر درجة كبيرة، وهو ما أثّر على السّير العادي لعملية التصويت.

وبدا على مدى الأيام الماضية أن «النهضة» والغنوشي كانا شديدي التوجّس والتخوّف من احتمال مرور لائحة سحب الثقة، لأن اليقين ينتابهم بأن نجاح المعارضين في مسعاهم هو مقدمة جدية لوضع «الإخوان» في الزاوية.

ومن المعلوم أنه ورغم الإمكانيات المادية الجبّارة التي تضعها «النهضة»، فإنّ قاعدتها الانتخابية في انحسار مضطرد، إذ هي خسرت على مدى المحطّات الانتخابية التي شهدتها تونس منذ أكتوبر 2011 إلى آخر انتخابات ما يربو عن المليون صوت، ليقف عدد أصوات ناخبيها عند رقم 500 ألف فقط.

والواضح أن موجة التعاطف التي اكتسبتها الحركات التي تتدثّر بالدين عموماً و«النهضة» تحديداً بعيد ما يُسمّى «الربيع العربي» بدأت بالتلاشي.

من اللافت كذلك أنّ خطاب الضحية التي وظّفته «النهضة» وغيرها من الحركات الإخوانية من أجل استدرار عطف الناخبين لم يَعُدْ يُقنع، وبأن الناس أفاقوا على حقيقة نقيّة كالفجر، وهي أنّ الحركة الإخوانية عموماً لا تختلف في ممارستها للسّلطة وفي علاقتها المتسلّطة بالمجتمع، عن سائر الحكام الذين طُبعوا بالاستبداد.

وفضلاً عن «عودة الوعي» هذه التي بدأت ملامحها ونتائجها تظهر في السلوكيات اليومية للمواطن التونسي، وهو وعي ساهم ويساهم بشكل مباشر في تحديد الحجم الحقيقي لـ«النهضة»، فإنّ مرورها بالحُكْمِ والسلطة فجّر كلّ التناقضات والصراعات داخلها، وأسقط قناع الأخلاق المزيّف، الذي كثيراً ما خدع البلاد والعباد، وبانت في سلوكيات قادتها أبشع أنواع الانتهازية والزبونية، وانكشفت الوجوه على حقيقتها دون تزويق ولا تجميل.

كلّ هذه العوامل ساهمت وستسهم في المزيد من انحسار الوجود الإخواني في مجتمعاتنا وفي المجتمع التونسي تحديداً. مجتمع ما يزال رغم كلّ شيء ينهل من معين ما أنتجته دولة الاستقلال الوطنية التي أرسى دعائمها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، والتي حاولت «النهضة» منذ 2011 وبكلّ الطّرق تقويض ما مثّل على مدى الأحقاب تفرّده وتميّزه، وذلك تحت تأثير سياسات ثأرية قامت بها جماعة «الإخوان» ونفذتها بإتقان في تونس حركة «النهضة».

وإنّ ما يُعيق ترجمة هذا الوعي المجتمعي إلى سلطة وطنية تلتزم فقط بمصالح تونس الاستراتيجية، هو حالة التشتّت التي تطغى على المشهد الحزبي والسياسي، وهي حالة ساهمت «النهضة» في التأسيس لها وفرضها كأمر واقع من خلال ترسانة تشريعية لا تسمح بغير هكذا مشهد.

إنّ حركة «النهضة» تعي تماماً أنه لن يكون بمقدورها فكّ الارتباط بالحركة الإخوانية الدولية، وهي لذلك ستبقى جسماً دخيلاً عن المجتمع التونسي، لا هي قابلة بأجندته الوطنية ولا هو قابل بخلفياتها الإخوانية.

إنّ الرفض المجتمعي لهذه الحركة ما انفكّ يكبر ويتعاظم، وإنّ فشلها هذا في الاندماج المجتمعي، وكذلك فشلها الذريع في تسيير شؤون الحُكْمِ والمجتمع والدولة ومقابل ذلك تمسّكها المرضيّ بالسّلطة والحُكْمِ، كلّها عوامل ستجتمع من أجل إبراز الوجه القبيح لهذه الحركة الإخوانية، وسيطفو وجهها الاستبدادي على السطح، وينكشف زيف سلوكها «الديمقراطي».

وإنّ ما جرى في مجلس نواب الشّعب نقرأ ونرى فيه حلقة إضافية نحو المزيد من انكشاف الحقائق التي تنزع القناع عن وجه «النهضة». وهو وإن كان لا يمثّل انتصاراً لأيّ طرف، للأسباب المذكورة أعلاه، فهو إلى ذلك يُعتبر هزيمة سياسية مدوّية لـ«النهضة» والغنوشي.

وإن الغنوشي وإنْ كان «نجا» من مطبّ سحب الثقة، فإنه الآن أمام استحالة منطقية وسياسية لمواصلة عمله كرئيس لمجلس نواب الشعب، وقدره المحتوم هو الاستقالة، لأن أداءه سيكون موصوماً برفض نصف نواب الشعب له، وهو أمْرٌ لن يسهّل عليه مهمّته، فضلاً عن أنه لا أحد يضمن له عدم تكرار العملية، وفي ظروف قد تؤدي إلى خلعه من منصبه.

إنّ قَدَرَ السّاسة من الذين تعلّقت همّتهم بمصلحة الوطن والمواطن هو الاهتداء إلى أيسر الطّرق وأسلكها إلى خدمة الناس، وإنّ مآل من أصرّ على خيانة الأمانة هو الاندثار.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات