هل مررتم بالعيد؟

هل مر بكم العيد.. هل مررتم أنتم به؟ هل شعرتم بالعيد.. هل شعر هو بكم؟ هل تداولتم الأحاديث نفسها، التي تداولتموها في العيد الذي سبقه؟ هل تجاوزتم الواقع المفروض عليكم أم ما زلتم حبيسي هذا الواقع؟ هل وجدتم أحاديث جديدة تكسرون بها دائرة الرتابة، التي تدور فيها أحاديثنا منذ أن خيم الوباء علينا؟

كيف كان شعوركم بالعيد، بعيداً عن الوباء، بعيداً عن الإجراءات التي فرضها علينا؟ هل صحيح أن هناك من فرض على نفسه هذه الإجراءات قبل الوباء المستجد بأعوام بعيدة، وأن هناك من انكفأ على نفسه، فلم يشعر ببهجة العيد منذ سنين مديدة؟ هل صحيح أن هناك من لم تحُل إجراءات الوباء، رغم قسوتها ورغم الحصار الذي فرضته علينا، دون شعوره بالبهجة؟

صحيح أن هناك من أحزنه منظر الحجاج يطوفون حول الكعبة المشرفة في صفوف نكاد نعدهم من خلالها واحداً واحداً، يمشون على مسافات متباعدة، ولكن ليست هذه هي المرة الأولى، التي يتم فيها تقليص عدد الحجاج إلى هذا الحد. ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي نشاهد فيها، نحن أبناء هذا العصر، هذا المنظر الغريب، لكن التاريخ زاخر بالمرات التي تقلص فيها عدد الحجيج، بل أُلغي الحج فيها تماماً.

إنها تقارب 40 مرة، تنوعت الأسباب فيها بين أحداث وكوارث لازمت مواسمه، منها انتشار الأمراض والأوبئة‏، ومنها الاضطرابات السياسية‏، وعدم الاستقرار الأمني، ومنها الغلاء الشديد والاضطراب الاقتصادي،‏ ومنها‏ فساد الطرق‏ من قبل اللصوص وقُطاعها، ومنها فساد العقائد مثلما فعل القرامطة، الذين كانوا يعتقدون أن شعائر الحج من قبيل عبادة الأصنام، وأنها تشبه شعائر الجاهلية، وكانت الكارثة يوم أن وقف أميرهم أبو طاهر القرمطي عام 317 هجرية أمام باب الكعبة، داعياً إلى الإجهاز على من سماهم «الكفار وعبدة الأحجار»، داعياً إلى دك أركان الكعبة، واقتلاع الحجر الأسود.

يومها أباد القرامطة من الحجاج 30 ألفاً دُفِنوا في مواقعهم دون غُسل ولا كفن ولا صلاة، وطُمِر بئر زمزم بوضع 3 آلاف حاج فيه، ونقل القرامطة الحجر الأسود إلى «هجر» بالقطيف، وأمروا الناس بالحج إليه، وغيبوا الحجر عن الكعبة 22 عاماً، وتعطل الحج سنوات قيل إنها قاربت عشراً.

ليس الوباء إذاً هو أول سبب يحول دون أداء عدد كبير من المسلمين فريضة الحج، وليس هو أول جائحة تحول بينهم وبين الاحتفال بأعيادهم، وليس هو أول داء يفرض على الناس البقاء في منازلهم، فقد اجتاحت الكرة الأرضية قبله أوبئة وحروب وكوارث، أبادت ملايين البشر، وقطعت طرق التنقل والسفر، وفرضت على الناس البقاء رهن بيوتهم وبلدانهم في أزمنة كانت الحياة فيها أصعب، وكانت وسائل العيش فيها أندر، وكان التواصل بين الناس فيها عسيراً.

ليس العيد طقساً زمانياً، ولاهو طقس مكاني، تحول دون الاحتفال به ظروف مثل الحروب والأوبئة والأوضاع المضطربة، ولكنه طقس نفسي، يمارسه الإنسان إذا توفرت له الطمأنينة والرضا وراحة البال، التي بدونها لا يكون لأي مناسبة في حياتنا طعم. هذا هو العيد الذي نسأل إن كان قد مر بنا أو مررنا به.

ليس شرطاً أن يكون هو العيد الذي له طقوسه، وله ذكرياته، التي يتشكل منها نسيج طفولتنا، ثم شبابنا وكهولتنا، وما يتوالى من سنيّ أعمارنا.

ليست هذه دعوة لعودة عشوائية إلى الماضي، لأن «أي عودة إلى الماضي من دون معرفة لهذه العملية قد تؤدي إلى عواقب مأساوية مؤثرة عاطفياً» كما يقول الروائي البرازيلي باولو كويلو في روايته «ألف». في «ألف» ينطلق كويلو إلى أفريقيا، ثم إلى أوروبا وآسيا، عبر السكك الحديدية العابرة للمدن الروسية في رحلة لإحياء طاقته وعاطفته.

لم يتوقع المؤلف أن يلتقي في بداية رحلته بين المدن الروسية عازفة الكمان الشابّة الموهوبة «هلال»، التي أحبّها منذ خمسمئة عام، حيث يبدآن معاً رحلة صوفية، عبر الزمن والأمكنة. في «ألف» يسعى كويلو إلى الحكمة، وإدراك الواقع المرئي واللامرئي، والواقع السحري المؤقت، والسعادة من منظور آخر.

تُرى هل كان العيد، الذي أصبح خلفنا أو أصبحنا خلفه، رحلة عبر الزمن، سعينا خلالها إلى إدراك أشياء ملهمة، تدعونا إلى التأمل في رحلتنا الشخصية؟ هل نحن حيث نريد أن نكون؟ هل نحن نفعل ما نريد أن نفعل؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات