رحيل مباغت لرجل خذله قلبُه

الصمت الذي عقد لساني حينما أبلغني الصديق ياسر قبيلات بأنّ مغازي البدراوي قد «مات»، كان أمراً غير متوقع. فأنا لا أعرف الرجل شخصياً، ولم أقابله. كل رصيدي في التواصل معه مكالمة هاتفية، وبضع رسائل مقتضبة على «الواتس أب» وبالإيميل.وكان من بين تلك الرسائل دعوة للقاء قريب كي أتعرف على الرجل الذي أشاد به زملاؤه وأثنوا على مناقبيته الرفيعة.

ما أحزنني كثيراً في رحيل مغازي البدراوي أنني أرسلت له مقالي الأسبوعي صباح يوم السبت، ولم أكن أعلم حينها ما حلّ بالرجل. لكنّ ما أزعجني لحظتها أنني لم أتلقَ الردّ المتوقع كل أسبوع: «وصلت المقالة أستاذ. شكراً لك» فقلت في نفسي ربما الرجل منشغل بأمر ما، وربما يكون نائماً أو متعباً أو ضجِراً من الحياة والبشر.

ولكي أقطع الشكّ باليقين رحت أهاتفه بعد ساعتين من هذا المونولوغ النفسي، لكنني لم أتلقَ رداً، فاضطربت لسبب غامض، وكان ذلك السبت من أبغض أيام الأسبوع. ورغم ذلك كله قلت؛ كي أضرم النار بمخاوفي، «الغايب حُجته معه».

ولمّا لم يصلني ردّ بعثت رسالة مستفسراً، وهذا أشدّ ما آلمني، فبعد أقل من ساعة على تلك الرسالة الحرونة، كانت الصاعقة تتساقط حمماً وشظايا فوق رأسي، وغرق قلبي في الصمت والأسى.

درس بليغ لقنني إياه ذلك الرحيل المباغت لرجل خذله قلبه؛ فودّع الحياة متخففاً من كل شيء، ومعانقاً الغياب الأبدي. وأبلغُ ما في درس الرحيل هذا أنّ الحياة محض إغماضة عين، وأنّ الموت ليس وراء الجبال، بل وراء الأكتاف، كما يقول مثل روسي.

حادثة الرحيل المباغت تلك، وما بعدها، جعلت الأسئلة الوجودية تنهمر عليّ عن معنى هذا القتال الضاري والتنافس المحموم، والاحتراب والعداوات المريرة والطويلة بين البشر في نزاع غريزي من أجل البقاء، ومن أجل الظفر بأي شيء وبأي ثمن وبأية وسيلة.

تذكرت مقولة «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»، فأبصرتُ فيها الدواء والبلسم، وتأملت وجه الحكمة، وأدركت بلاغة قول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا»، كأنهم أمضوا الحياة في غفلة.

الموت يرجّنا مؤقتاً، كما يجري عندما نشاهد حادثاً مرورياً فظيعاً في الطريق، فنبطئ في قيادة سياراتنا ونخفّف السرعة. وبعد هنيهات نطلق العنان للريح. فإن لم يعلّمنا الموت درس الزهد في الحياة، وعدم فقدان البوصلة الأخلاقية أثناء السعي في مناكبها، فعلى الأقل أن يعلمنا كيف نترك لغدنا المجهول ما يجعل الآخرين يفتقدوننا، ويترحّمون علينا، ويشعرون أنّ قطعة فخّار سقطت من أصص الزهور، وانفلت التراب من عِقاله.

إلى التراب عائدون. وما من كفن أو تابوت يصنع الفرق في رحلة الفناء النهائي، فالرقاد ذاته، والعتمة المؤبدة نفسها، وليس يبقى إلا عمل صالح وأحبّة ليس من طبعهم النسيان، وما دون ذلك إنما حفنة من وهم، وتفاصيل لا تكفكف دمعاً على طلل.

ليرقد مغازي البدراوي بسلام. ولتغتسل روحه بالماء والثلج والبَرَد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات