القانون للجميع

تفسير بعض قواعد الأصول الفقهية التفسيرية المهمة «2»

نواصل ما بدأناه في الأسبوع الماضي من شرح لبعض القواعد الهادية والمعينة على تفسير وتطبيق نصوص القانون التي وردت بقانون المعاملات المدنية، وذلك نظراً لأهميتها ودورها الجوهري في الأحكام التي يصدرها القضاء واستصحابه لها قبل الانتهاء للأحكام، ونعرض لبعض من تلكم القواعد بشيء من الإيضاح والإبانة.

قاعدة: الأصل براءة الذمة، فالمرء يولد خالياً من أي دين أو التزام أو مسؤولية، وأي شغل لذمة المرء بأي من الحقوق إنما يطرأ بأسباب عارضة، وعليه فإن مَن رفع دعوى على غيره مدعياً التزامه تجاهه بدين أو بعمل سواء كان ذلك بموجب عقد أو ضمان لما أتلفه أو أي سبب آخر من أسباب الضمان، فإن على المدعي إثبات ما يدعيه، لا سيما إن أنكر المدعى عليه، وحيث إن الأصل أن ذمته غير مشغولة بأي التزام فلا يطلب منه إثبات عدم انشغال ذمته بل يقع على من يدعي ذلك إثبات صحة ما يدعيه.

قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، الضرر يزال، الضرر لا يزال بمثله، وهذه القاعدة بتفصيلاتها وجزئياتها الثلاث مستقاة من حديث نبوي شريف، وهي من تعاليم الإسلام وأركان الدين الذي يمنع الفعل الضار ويعاقب فاعله ويلزمه بالتعويض المالي وفقاً لما اصطلح عليه من جلب المنافع ودرء المفاسد.

ونص القاعدة يمنع الضرر مطلقاً ويشمل دفعه قبل وقوعه بالطرق الممكنة ويحرص على إزالة آثاره ومنع تكراره في حال وقوعه، ومنع الضرر يتوخى تجنب الثأر الشخصي المؤدي لزيادة الضرر وتوسيع دائرته، فلا يحق لمن أتلف ماله، إتلاف مال الغير.

وقد رتب الفقهاء على هذه القاعدة عدداً من الأحكام، فإذا ما انتهت مدة الإجارة الزراعية قبل حصد الزرع تبقى الأرض في يد المستأجر بأجرة المثل حتى الحصاد منعاً لاقتلاع زراعته قبل أوانها.

وكذلك أوجبوا احترام الحقوق القديمة من منافع ومرافق وتصرفات ولو لم يكن بأيدي أصحابها وثائق حقيقية لأن إزالتها تتسبب في الأضرار بهم، كما أن الاضطرار لدفع دين يخص شخصاً آخر بدون إذنه يجعل لمن دفع الدين الحق في الرجوع على مَن دفع الدين لمصلحته وذلك لمنع الضرر عن نفسه، والقاعدة نصّت على عدم إزالة الضرر بمثله، فلو لم يجد المحتاج لدفع الهلاك عن نفسه جوعاً إلا مال محتاج مثله فلا يجوز له أخذه، ولا تفرض نفقة للفقير على قريبه الفقير، ولا يقبل إجبار الشريك على قسمة المال المشترك إذا كان في ذلك ضرر أكثر من ضرر المشاركة، كما لا يجوز للمشتري رد المبيع بعيب قديم إذا أصابه عيب عنده.

قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات: ففي حالة الهلاك من الجوع يجوز للشخص أخذ مال غيره بشرط أداء ثمنه فيما بعد أو الحصول على رضا صاحب المال، كما يجوز للشخص أن يقتل الجمل الذي يصول عليه تخليصاً لحياته، وإذا ما أكره شخص من قبل شخص آخر تحت التهديد للقيام بإتلاف مال الغير، فيجب الانتباه إلى أن الضرورات لا تبيح كل المحظورات، بل يجب أن تكون المحظورات دون الضرورات، فإن كانت المحظورات أكثر من الضرورات فلا يجوز إجراؤها، وعليه فلا يحق لإنسان قتل آخر بدعوى إكراهه وتهديده بالقتل لأن الضرورة هنا مساوية للمحظور.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات