القانون للجميع

تفسير بعض قواعد الأصول الفقهية التفسيرية المهمة

أورد قانون المعاملات المدنية عدداً من القواعد الهادية والمعينة على تفسير وتطبيق نصوص القانون، وهي مستقاة من قواعد الأصول الفقهية التفسيرية، ولأهميتها ودورها الجوهري في الأحكام التي يصدرها القضاء المستصحب لها، فإننا نعرض لبعضها بشيء من الإيضاح.

القاعدة الأولى هي أن «الجهل بالأحكام الشرعية ليس بعذر»، فليس مقبولاً من الشخص الادعاء بجهله بحكم شرعي أو قانوني للإفلات من تبعات تصرفاته المخالفة للقانون، فليس من المقبول أن يدعي شخص ما أنه أمي لا يستطيع القراءة، أو أنه لم يطلع على الجريدة الرسمية التي نشر بها القانون، أو أنه كان أجنبياً عن الدولة، أو أنه كان مسافراً خارج الدولة إبان صدور القانون، فكلها حجج لا مكان لها ولا يعتد بها، فمتى صدر القانون، يفترض علم الكافة به.

القاعدة الثانية: «ما ثبت بنص آمر يقدم على ما وجب بالشرط»، فقد يتفق طرفا العقد على شرط ما في مسألة وفي ذات الوقت يكون هناك نص آمر ينظم المسألة فعندئذٍ يجب تطبيق ما ورد بالنص الآمر. حيث إن مفهوم النص الآمر هو عدم جواز الاتفاق على ما يخالفه. ومن الأمثلة التي تضرب لتلك المسألة حالة اشتراط المرأة على زوجها أن يدفع لها مقابلاً مالياً كتعويض في حال أراد إعادتها لعصمته بعد طلاق رجعي، وعلى الرغم من ذلك الشرط، فإنه يحق للزوج إعادة زوجته وإرجاعها ما دامت في العدة من دون أن يدفع لها لكون الرجعة أمر ثابت بنص شرعي، ولا يعتد بدفع التعويض المتفق عليه كشرط.

القاعدة الثالثة: «اليقين لا يزول بالشك»، وهي مأخوذة من قاعدة «ما ثبت بيقين لا يرتفع بالشك وما ثبت بيقين، لا يرتفع إلا بيقين» وهي قاعدة منطقية لكون اليقين هو العلم الذي لا شك معه، فهو نقيض للشك، كما أن اليقين هو أمر قوي وثابت فلا يزول بمجرد شك ضعيف وطارئ، فلو افترضنا أن رجلاً سافر لبلاد بعيدة وانقطعت أخباره مدة طويلة، وعلى الرغم من أن انقطاع أخباره قد يثير الشك في كونه قد مات، إلا أن مجرد الشك ذاك لا يزيل اليقين بحياته المتيقنة، فلا يحق للورثة تقاسم تركته ما لم يثبت موته يقيناً أو بحكم. وأما إن سافر شخص بسفينة فغرقت فيحكم بموته لأن موته ظن غالب والظن الغالب بمنزلة اليقين.

القاعدة الرابعة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، وهذا الأصل يعرف بالاستصحاب، وهو اعتبار الحالة الثابتة في وقت ما، مستمرة في سائر الأوقات حتى يثبت انقطاعها أو تبدلها، فلو ادعى الشخص المقترض سدادهُ الدين للمقرض فأنكر المقرض أو ادعى المشتري دفع الثمن للبائع فأنكر البائع أو ادعى المستأجر دفع الأجرة للمؤجر فأنكر المؤجر، كان القول لهؤلاء المنكرين مع اليمين، أي أن هذه الديون تعد باقية في ذمة الملتزمين بها ويقع عليهم عبء إثبات سدادهم لمبلغ الدين، وذلك لكون هذه المبالغ مستحقة عليهم بيقين، وعليه فالأصل بقاؤها في ذمتهم حتى يتمكنوا من إثبات عكس ذلك الأصل، ويجوز لهؤلاء المدينين الطلب من المحكمة تحليف الدائنين اليمين بعدم قبض مبلغ الدين، وفي حال حلف الدائنون بعدم القبض صدر الحكم لمصلحتهم بإلزام المدينين سداد مبلغ الدين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات