الموهبة والمهارات أولاً

في خبر مثير للابتهاج وإشاعة الأمل في النفس نجد إعلاناً عن توجه الحكومة الأمريكية نحو استبدال التوظيف على أساس الدرجة بممارسة التوظيف على أساس المهارات.!

أقول أولاً إن ثمة تشوهات لحقت بالمؤسسة الأكاديمية والتعليمية، وقد حدث ذلك عندما ارتبطت غاياتها بخدمة المؤسسة الاجتماعية ومؤسسات الخدمات المدنية، فصار اكتساب العلم والمعارف وسيلة لتحقق تلك الغايات الاجتماعية والوظيفية، لولا أن المفترض أنها غاية تخدمها تلك المؤسسات.

وقد فرض التحول نحو النظام المعرفي إصلاحات لا بد من تحققها ومنها ما نجده حالياً من توجهات لدى دول كبرى نحو استبدال الممارسات الوظيفية للأفراد في المجتمع السابقة والتي كانت المفاضلة فيها تقوم على أساس الدرجات العلمية نحو ممارسة جديدة هي المفترضة أن تكون منذ البداية وهي الممارسة الوظيفية القائمة على المهارات في المفاضلة الوظيفية.

ولعل هذا منصف جداً وفيه معالجة حقيقية لحالة عدم القدرة على تقديم منتج خدمي إبداعي ملموس غير مرتهن إلى الممارسات الروتينية الخالية من اللمسة الفنية والإبداعية التي اشتهرت بها كافة المؤسسات وعلى كافة الأصعدة الرسمية والأهلية.

لقد كان ثمة تجانس مرهق بين المؤسسات في كافة الأصعدة وبين المعاملة الروتينية المملة التي لم يتحقق بفضلها سوى المزيد من سخط الجماهير والنقمة على الأنظمة لدى الكثيرين والمزيد المزيد من الركود والتقدم إلى الوراء في كل يوم.

يفرض التحول نحو المفاضلة الوظيفية على أساس المهارات وامتلاك المواهب على المؤسسات بكل أشكالها الانفتاح على التجريب الإبداعي وتحقيق الكثير من الرؤى الإبداعية في سبيل إنتاج خدمات مميزة لا ترتهن إلى الروتين وما يفرضه ولكن يبحث في تقديم المنتج الخدمي المميز الذي يساعد الجمهور المستهلك والمستفيد لذلك المنتج إلى أعلى حد ويعمل على ازدهار تلك المؤسسات بكل أنواعها وتحقيق الغاية المفترضة من وجودها بدون عراقيل أو تشوهات.

إن المفاضلة الوظيفية التقليدية القائمة على الدرجات وما تقدمه من منتجات خدمية تماثل البريد العادي في حياتنا في حين أن الممارسة القائمة على استيعاب المهارات تماثل البريد السريع كبريد الفيدكس وغيره الأولى قد تمتد فترة وصول البريد فيها من شهر إلى ثلاثة أشهر وأحياناً لا يصل والثانية يمكن أن يصل البريد فيها خلال يومين فقط الأولى مسؤولة ويقيدها روتين والثانية مسؤولة وواعية بالتزاماتها ومنتجاتها الخدمية صيغت برؤى إبداعية.

بهؤلاء فقط من ذوي المواهب والمهارات والإبداع قد تصبح الحياة محتملة لمن لم يعرفوا غير الشقاء فيها وبهم سيزدهر الاقتصاد ويعم الرخاء وتزدهر الحياة الاجتماعية بكل أبعادها ومجالاتها، وعلينا أن نسمح لهم برسم مصير جديد للبشرية يرتقي بالحضارة البشرية إلى أعلى حد.

إن الحضارة الإنسانية لم تزدهر إلا بتلك المواهب والمهارات ذات الرؤية الإبداعية في كل ما أنتجته، وربما كان ثمة إقصاء دائم لها من مسرح الحياة، لولا أن الأوان قد آن لنجمل الحياة بإمكانياتهم ورؤاهم الجمالية ولمساتهم الفنية والإبداعية. وللحديث بقية.

* خبيرة الاقتصاد المعرفي

طباعة Email