ديمقراطية الكمامة!

بينما كان (كوفيد 19) يحصد في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 128 ألف شخص، ويصيب أكثر من 2.6 مليون شخص، وفق إحصاءات الجمعة/ السبت، صُدم العالم باللافتات التي علّقتها متاجر أمريكية على مداخلها تفيد بمنع مَن يرتدون أقنعة طبية من الدخول إليها، في إجراء معاكس لكل ما تتبعه المتاجر والأماكن المغلقة في العالم، منذ بدء تفشِي الوباء.

ولا يحمل هذا النبأ أيَّ ضرب من المبالغة؛ فأحد المتاجر بولاية كنتاكي الأمريكية علّق على مدخله لافتة كُتب عليها: «غير مسموح بأقنعة الوجه في المتجر، إما أن تخلع قناعك وإما تذهب إلى مكان آخر، كفوا عن الاستماع إلى حاكم كنتاكي، أندي بشير، إنه أخرق».

وحثّ متجر آخر لأدوات البناء في كاليفورنيا الناسَ على تبادل الأحضان، وفعلت الأمر ذاته إحدى موظّفات محطّات الوقود في ولاية إلينوي، في حين تظاهر محتجون في ولاية تكساس ضد ارتداء الكمامة باعتبار أنه إجراء مضاد للديمقراطية، والحرية الشخصية اللتين كفلهما الدستور الأمريكي.

وقادت هذا الممارسات إلى توحش الفيروس، الذي سجّل الجمعة أكثر من 53 ألف إصابة في يوم واحد، مع توقف 23 ولاية على الأقل عن إعادة فتح اقتصادها، لمكافحة العدوى المتزايدة.

ويجهل كثيرون المعنى الحقيقي للديمقراطية إن هم أغرقوا في الاستماع إلى نزعاتهم الذاتية، ومضوا يمارسون أنانيتهم، التي تعني خرق المركب وهو في عُرض البحر فيما العواصف هادرة.

وتلك هي حال الذين يتباهون بخلع الكمامة بذريعة الحقوق الشخصية، وهو ما يجعل الديمقراطية المزعومة لدى هؤلاء دكتاتورية عبثية، يمارسها نفر نشاز في وجه المجتمع برمته، فيعرّضون السلامة العامة والأمن الصحي لمخاطر مميتة، جعلت المستشفيات الأمريكية غير قادرة على استيعاب كل المصابين بالفيروس.

العالم بمجتمعاته وحكوماته يخوض حرباً ضارية ضد (كوفيد 19)، ولا مجال للتفاوض معه، أو عقد هدنة؛ لأن أرواح البشر هي الثمن إنْ قصرت هذه الأجهزة في أداء مهامها، ما يحيلنا إلى خيار المسؤول المستبدّ، الذي لا يُخضع الأمن الصحي الوطني لاستطلاعات الرأي، أو لما يطلبه الناشطون على وسائل «السوشيال ميديا»؛ فتلك مهلكة ووصفة للانتحار.

الدولة في الأزمات تمارس الدكتاتورية الرشيدة، لأنها أدرى بما ينفع شعبها وسكانها. الدولة هاهنا هي الأب أو الأخ الأكبر، الذي يعرف مصلحتك أكثر مما تعرفها أنت، فإما أن تثق بهذه الدولة، وتسلّمها زمام أمرك، أو أن تبحث عن شرفة لإلقاء نفسك في شباك الردى، لا خيار ثالث.

أما الزعم بأنّ ارتداء الكمامة جزء من الحرية الشخصية، التي لا يتعين لأحد الاعتداء عليها، فتلك أغلوطة يرتكبها أولئك الذين لا يدركون من الحرية إلا قشورها؛ فالفيلسوف الألماني كانط يؤكد أن «لا أحد يستطيع إلزامي بطريقته كما هو يريد لأصبح فرِحاً وسعيداً، كل منا يستطيع البحث عن سعادته وفرحه بطريقته التي يريد، وكما يبدو له الطريق السليم، شرط ألا ينسى حرية الآخرين، وحقهم في الشيء ذاته».

من ينكر الحرية على الآخرين لا يستحقها لنفسه، تلك عبارة جهر بها الرئيس الأمريكي السادس عشر أبراهام لينكولن، ولعل من الضروري أن يُصغي لنصيحته هذه أولئك الذين يدعونك إلى البحث عن متجر آخر، إنْ كنتَ تضع الكمامة التي في زعمهم تمنع حرية العناق، فمتى كانت الحرية دعوة إلى الهزء بالحياة، وتقويض الأمن البشري؟

من الضروري استدعاء هذه الحوادث، التي تجري في أروقة الدولة الكبرى، التي تسيطر على على الأرض والبحر والفضاء، لكن بعض مواطنيها مصابون بهذيان الحرية المنفلتة من عقالها، والأنكى من ذلك أن أشخاصاً مؤثرين في الولايات المتحدة يرهفون السمع لتلك الصيحات النشاز، التي أغضبت مدير المعهد الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية، أنتوني فاوتشي الذي قال في مقابلة صحفية، إن «السيطرة على تفشي المرض هو ما نقوم به لمعارضة ديناميكيات التفشي.

وإذا قمتَ بأشياء تعزز بشكل أساسي تفشي المرض، فأنتَ جزء من المشكلة، أنتَ لست جزءاً من الحل»!

 

 

طباعة Email