العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    حتى نتّقي شرّ الديمقراطية المسمومة

    تعيش تونس على وَقْعِ أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، وهي إلى جانب ذلك في حالة شلل مؤسّساتي شبه تامّ ذلك أنّ السّلطة التنفيذية بِرَأْسَيْها غير قادرة على التحرّك والفعل، فلا الحكومة قادرة مضطلعة بمهامها نتيجةً لغياب البرنامج المشترك وكذلك بسبب عدم الانسجام في الفريق الحكومي، ولا رئاسة الجمهورية باستطاعتها القيام بما من شأنه أن يخفّف وطأة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة في تونس، لأنّها لا تمتلك صلاحيات القيام بذلك، وهذا أيضاً راجع إلى طبيعة النظام السياسي الذي أرسى قواعده دستور 2014، وكذلك البرلمان التونسي الذي يُعطيه الدستور المكانة الأساسية، فهو قد دخل منذ انتخاب أعضائه في متاهات التجاذبات والصراعات السياسية والحزبية العقيمة.

    ومن المعلوم أنّ مسؤولية هذا الشّلل تتحمّلها عموماً وبالكامل الأحزاب التي تداولت على الحُكْمِ مند تحوّلات ما سُمّي «الربيع العربي»، رغم الاقتناع التامّ بأنّ حركة «النهضة» الإسلامية هي المسؤول الرئيس عن عطالة الحُكْمِ والسّياسة في تونس، فهي من هَنْدَسَ وأرسى قواعد نظام سياسي هجين تكون لها فيه اليد الطُّولى.

    ويبدو أنّه من المستحيل على الأحزاب الأخرى التخلّص من هيمنة الحركة الإسلامية على السلطة والمؤسّسات في ظلّ الدستور الحالي، وكذلك في ضوء القانون الانتخابي المعتمد.

    إنّ تونس تشكو إلى الآن من نتائج أخطاء التأسيس التي لعبت فيها حركة «النهضة» دوراً أساسياً، إذ هي وتحت شعار «الحرّية والكرامة» حاولت القضاء على كامل إرث الدولة الوطنية التي أرسى قواعدها الزعيم التونسي الرّاحل الحبيب بو رقيبة، فهي قَبَرَتْ دستور 1959 وقد كان يستوجب فقط بعض التعديلات، وهي إلى ذلك سعت إلى تقويض أركان الدولة الوطنية ومكاسبها في الحداثة والحرّية، وأدخلت تونس نفق الأزمة الاقتصادية المظلم، إنّ مسؤولية الحركة الإسلامية في ذلك لا لُبْسَ فيها لكونها كانت مستقرّة في السّلطة والحُكْمِ منذ شهر أكتوبر 2011. وقد لا نضيف الكثير إذا قلنا إنّ حركة «النهضة» التونسية كغيرها من حركات الإسلام السياسي هي معادية في العُمْقِ لمشروع الدولة الوطنية، وخصوصاً إذا كانت هذه الدولة الوطنية تتمتّع بِقَدْرٍ من الحرّية والحداثة والبناء الديمقراطي، ومن المعلوم أنّ هذا العداء هو لأسباب مرتبطة بأُسُسِ وتركيبة الفكر «الإخواني».

    إنّ حركات الإسلام السياسي وأينما حلّ رِكابُها فهي تنزع إلى ضرب الموروث الوطني وإلى القضاء على مقوّمات الحرّية والديمقراطية وإلى القَطْعِ مع تاريخ الأوطان والشّعوب، وذلك بسبب فقدانها كلّ مشروعية تاريخية وطنية والشّواهد على ذلك كثيرة ومتعدّدة، فهي وكلّما تمكّنت من الحُكْمِ في دولة من الدول بدأت بتقويض الماضي بكلّ مكوّناته المادية والمعنوية وبقطع النظر عن الإيجابيات والسلبيات، لأنّ عُمْقَ «الفكر الإخواني» و«الإسلام السياسي» عموماً هو في القطع الصّارم مع أيّ ماضٍ والانقلاب على كلّ موروث سابق ،والتأسيس لمرحلة جديدة تُخاطُ على مقاس وَوفْقَ الأجندة «الإخوانية».

    إنّ طبيعة هذا الفكر هي معادية لكلّ فكر إصلاحي يسعى إلى البناء، استناداً إلى إيجابيات الماضي وتراكمات المكاسب الوطنية فيه.

    وفيما نرى ونعتقد فإنّ محاولات جرّ حركات الإسلام السياسي إلى خانة الوطنية باءت كلّها بالفشل، لأنّ الرّابط «الإخواني» لدى هذه الحركات أهمّ وأقوى من الرّابط الوطني إنّ وُجِدَ أصلاً.

    وفِي تونس كما في غيرها من الدول فإنّ موجة الرّفض لمساعي الانقلاب «الإخواني» تكبر وتتّسع رقعتها بشكل يُخشى معه أن يؤول ذلك إلى التطرّف والإرهاب مجدّداً أو إلى أشكال جديدة من الاستبداد. إنّ مدخل حركات «الإسلام السياسي» إلى المجتمعات والأوطان هو دوماً مرتبط بالأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك كان مجال فعلها الأصلي والأوّلي هو الفئات الضعيفة، وهي إلى جانب دلك استغلّت النقص الفادح في الممارسة الديمقراطية في أوطاننا لتوسّع مجال فعلها وتأثيرها وتحالفاتها رغم عدائها «الفطري» للحرّية والديمقراطية، إذ وكما هو أضحى معلوماً فهي من المؤمنين بممارسة الديمقراطية مرّة واحدة تلك التي توصلها إلى الحُكْمِ والسلطة، ثمّ إنّ هذه الديمقراطية تتحوّل إلى سراب.

    وإنّ أداتها الرئيسة في المحافظة على حكمها وسلطتها هي ضرب منظومة التعليم ونشر ثقافة الخرافة والشّعوذة، لأنّ هذه الحركات السياسية لا تنتعش إلّا في مناخات يعمّ فيها الفقر ويطغى عليها الجهل، ويكبر فيها الإحساس بالضيم وبغياب الحرّية والديمقراطية.

    سبب البليّة إذن هو واضِحٌ ومسلك الخلاص أوْضَحُ، والفرق بَيِّنٌ بين ديمقراطية الخير والديمقراطية المسمومة، وحتّى لا يُقال نحن من الشعوب التي لا يصلح حالها بالديمقراطية.

    طباعة Email