الحوار الاستراتيجي بين العراق وواشنطن

بدأت الجلسة الأولى للحوار «الاستراتيجي» بين العراق والولايات المتحدة عبر قناة تلفزيونية مغلقة في العاشر من يونيو المنصرم، الذكرى السادسة لسقوط الموصل، في أجواء بالغة التعقيد.

فعلى المستوى الرسمي وصلت العلاقات الأمريكية العراقية إلى أدنى مستوياتها بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مطلع يناير 2020 وبعد تعرض المصالح الأمريكية في العراق إلى العديد من التجاوزات، ما حدا الولايات المتحدة بطلب إجراء حوارات «استراتيجية» بين الطرفين.

وحين طرحت واشنطن مصطلح «استراتيجية» فذلك يعني حوارات على درجة كبيرة من الأهمية سواء في القضايا التي سيتم التطرق إليها وإلى الإطار الزمني للتوافق عليها. «الاستراتيجية» لا تعني رسم سياسات قصيرة الأمد ولا تعني تبني حلول آنية ربما تلقى رضا الكثيرين إلا أنها لا تحقق ذلك على المدى البعيد.

سبق أن وقع العراق عام 2008 اتفاقيتين مع الولايات المتحدة الأولى حول «الوجود العسكري الأمريكي في العراق» والثانية «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» وقد انتهت الأولى مع انسحاب القوات الأمريكية في ديسمبر 2011 أما الثانية فهي اتفاقية واسعة جداً لا تقتصر على الجوانب الأمنية بل تتجاوز ذلك إلى قضايا سياسية ودبلوماسية وثقافية وتعليمية وبيئية وغير ذلك ولا يحددها سقف زمني حيث ورد في أحكامها الختامية في القسم الحادي عشر من ديباجتها ما نصه بأنها «تظل سارية المفعول ما لم يقدم أي من الطرفين إخطاراً خطياً للطرف الآخر بنيته على إنهاء العمل بهذه الاتفاقية ويسري مفعول الإنهاء بعد عام واحد من تأريخ هذا الإخطار».

الحوار على المستوى الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد حوار بين دولتين تمتلك إحداهما اليد العليا وإلى حد بعيد على مقدرات الدولة الأخرى، حوار من المستبعد جداً أن تكون مخرجاته في صالح من وقف خلف قرار إخراج القوات الأمريكية.

هناك محوران يتسيدان الحوار أولهما الوجود العسكري الأمريكي وثانيهما مستقبل اتفاقية الإطار استراتيجي. فعلى مستوى المحور الأول وعلى الرغم من الضغوط التي يتعرض لها الوفد العراقي من بعض الجهات المقربة من إيران للالتزام بالقرار الذي اتخذه مجلس النواب العراقي في يناير المنصرم بإخراج القوات الأجنبية وبضمنها الأمريكية من العراق وعلى الرغم من تزايد إقلاق الحضور الأمريكي بالكاتيوشات فقد أعلن الجنرال كينيث مكنزي قائد القوات المركزية الأمريكية أن قوات بلاده لن تغادر العراق بسبب الضغوط الإيرانية.

على المستوى الرسمي الوجود العسكري الأمريكي في العراق جاء بطلب عراقي من قبل حكومة الدكتور حيدر العبادي لقيادة التحالف الدولي الذي تشكل من عشرات الدول للتصدي لتنظيم داعش الذي نجح في السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في العراق وسوريا.

الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق لسببين هامين أولهما أن تنظيم داعش يستعيد قواه ولا يزال يشكل خطراً أمنياً على الاستقرار في المنطقة، فقد ذكر الجنرال جوزيف فوتيل القائد السابق لقوات القيادة المركزية الأمريكية في فبراير 2019 بأن عدد مقاتلي داعش في سوريا والعراق يقدر بعشرات الآلاف. أما ثانيهما فإن واشنطن ترى أن حضورها في العراق ذو أهمية استثنائية في استراتيجيتها لاحتواء إيران لا يضاهيه حضور أي دولة أخرى في المنطقة لضمان استقرار الأمن في الخليج العربي وضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق الغربية.

ومن هذا المنظور فإن واشنطن ستحسم موقفها في الحوار مع العراق في ضوء اختبار نوايا حكومة الكاظمي ومدى قدراتها ورغبتها في الانخراط مع استراتيجيتها في المنطقة أو اتخاذ مواقف غير معيقة لانتهاجها.

العراق في حالة حوارية ضعيفة للغاية في ظل وضعه المالي الحرج جدا وفي ظروف ترنح مؤسساته الصحية في مواجهة جائحة كورونا فمن المستبعد جداً أن يجد أمامه خياراً غير خيار التنسيق مع سياسات الولايات المتحدة في المنطقة.

أما على مستوى المحور الثاني فإن من صالح العراق تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي وتجاوز اقتصارها على الجوانب الأمنية، فالعراق أمام قضية إعادة بناه التحتية المدمرة ومواجهة آفة بل آفات الفساد واستعادة مكانته الإقليمية من أجل إعادة التوازنات في المنطقة إلى ما يضمن سيادة الأمن والاستقرار الحقيقي في ربوعها. زيارة رئيس الوزراء الكاظمي إلى الولايات المتحدة خلال هذا الشهر وما سيتمخض عنها ستلقي المزيد من الضوء على مستقبل استقرار المنطقة.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات