«البلوك تشين» السلطة العالمية القادمة

ثمة فجوة ضخمة بين القدرة على القيام بشيء ما والقدرة على تقرير وتوجيه من بيده السلطة لما ينبغي القيام به.تلك الفجوة الضخمة تكشفت واتضحت معالمها بعد جائحة «كورونا»، ويظهر هذا عندما وجد العالم نفسه بدون سلطة لمواجهة «كورونا»، ما يجعل من نظام العولمة مجرد فكرة ربما لا يمكن تحققها على الواقع بالمعطيات الحالية على الأقل، وإذا كانت العولمة فاقدة للسلطة العالمية فإنها لا تستطيع أن تعطي معنى أن العالم أصبح قرية صغيرة!

لقد أثبتت مركزية العولمة عدم مركزيتها، فأين هي سلطة العولمة للوقوف أمام انهيار أسواق البورصة العالمية وأسواق المال والأعمال؟ أين هي سلطة العولمة للتصدي لانهيارات أسواق النفط؟ أين هي سلطة العولمة لتوحيد المعلومة، والتصدي لجائحة «كورونا»؟

إن المرحلة الآنية تتطلب إعادة صياغة كل شيء وفق رؤية جديدة تفرضها الأزمة الراهنة وتداعياتها وتفرضها معطيات الحاضر، هذه الرؤية من وجهة نظري، على الأقل، قد تتحقق من خلال نظام «البلوك تشين»؟!

كيف؟

ذكرت في مقالات سابقة أن تطبيق «بلوك تشين» قد بدأ كقاعدة بيانات لتتبع حركة التعدين على الإنترنت، لحساب ما جرى صكه من عملة افتراضية لدى كل مستخدم لها، وكان توثيق عملية التعدين واستخراج البتكوين في قاعدة البيانات تلك لدى كل الأطراف على مستوى العالم، وبالتالي يستحيل تزوير كتلة أو إضافة أخرى غير حقيقية للسجل العام أي البلوك تشين، من دون أن تتم الموافقة عليها من جميع الأطراف المعنية، قد تطوّر عندما بدأ التفكير في استخدامه في سياق منفصل عن البتكوين، وهو ما مثل تحولاً كبيراً في عوالم الاقتصاد بأكملها وعلى رأسها الاقتصاد المعرفي.

ومن جملة تلك الاستخدامات لـ«بلوك تشين» في سياقاته الجديدة تسجيل التعاملات والأصول وحقوق الملكية الفكرية، وبهذا الخصوص تحديداً يمكن القول إن «بلوك تشين» مثل فتحاً عظيماً فيه، بمعنى أن حقوق الملكية الفكرية من خلال الـ«بلوك تشين» ستصبح أكثر أماناً.

عدا ذلك يعمل هذا التطبيق على تحفيز المؤسسات المعرفية والثقافية على تحديث الملكيات العامة وتحويلها إلى ملكيات لها حقوق يضمنها وجودها في سجلات الـ«بلوك تشين»، ما سيحمي بدوره الماركات والعلامات الخاصة التي كانت تخسر دائماً بسبب ما يمكن تسميته بعبثية الملكيات العامة، ومن الوارد تنشيط بعض القوانين والتشريعات وتحديثها تزامناً مع ازدهار الـ«بلوك تشين» والاقتصاد المعرفي الرقمي.

ومع نضج «بلوك تشين» وتنامي الإقبال عليه سيتوسع دوره في تحسين سلاسل التوريد والسجلات الصحية، كما يمكن استخدامه في الرعاية الاجتماعية، والتصويت الآمن، ونقل ملكية الأراضي، كما يمكن استخدام «بلوك تشين» لإنشاء سجل غير قابل للتغيير. واستخدامات أخرى عديدة يمكن التكهن بها كإلغاء التعامل بالصكوك في عمليات بيع وشراء العقارات، وتجارة السيارات، وأيضاً التعاملات الاجتماعية المهمة كعقود الزواج.

وفي عالم النشر والتأليف يمكن أن يمثل الـ«بلوك تشين» نقلة نوعية كبيرة فيها من خلال تسجيل عقود النشر من خلاله فيضمن بذلك الناشر عدم استغلال منشوراته أو المتاجرة بها من قبل أي شخص آخر، ويضمن أيضاً للمؤلف كافة حقوقه المادية والفكرية.

كذلك فقد تستخدم السيارات ذاتية القيادة والطائرات من دون طيار «بلوك تشين» لسداد رسوم محطات الشحن ومنصات الهبوط، وستتطلب التحويلات الدولية للعملات من خلال الـ«بلوك تشين» ساعة أو دقائق قليلة بدلاً من حاجتها لأيام وبدرجة من الأمن والموثوقية تفوق ما تُوفره الأنظمة المصرفية الأخرى، وعدا هذا الكثير الذي يمكن أن يحققه الـ«بلوك تشين» ويكون فعالاً فيه.

إن الحلول المبنية على المفاهيم الناشئة كالسحابة والروبوتية والذكاء الاصطناعي و«البلوك تشين» وإنترنت الأشياء والواقع الافتراضي والمعزز، هي التي ستقود التحول نحو الإبداع الرقمي، وهي التي ستعيد صياغة بناء كيان ذكي سواء مدينة أو مستشفى أو مؤسسة أو خدمة أو أكثر من ذلك، وصولاً إلى العالمية وفرضية «القرية الصغيرة» وبفاعلية أكبر لأنها ستشمل كل مناحي الحياة في كل أنحاء العالم.

يستطيع «البلوك تشين» إذا تم إسقاطه من الرادار، وتمت حوكمته، أن يستخدم في كل ما ذكرته سابقاً، وأكثر، وبفاعلية كبيرة، لكنه حتى هذه اللحظة مازال غير مقبول مالياً، ربما لأنه يلغي بتفعيله وقبوله سلطة الطرف الثالث المتمثلة في مركزية البنوك، وشركات الصرافة، من ناحية تشريعية، ومن ناحية الفائدة.

نظام «البلوك تشين» إذا تم تفعيله سيخلق سنتراً مركزياً يمسك زمام الأمور كلها بكافة خيوطها ويحقق نوعاً كبيراً من التوازن. وإذا قلنا إن نظام «البلوك تشين» يفترض إلغاء المركزية في جوهره، فذلك صحيح لكنه يوحد المعلومة، يلغي سلطة ويوفر سلطة معرفية موحدة.

وللحديث بقية.

* خبيرة الاقتصاد المعرفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات