تعايشْ.. تعشْ

بمقدور المرء، وهو يتابع الأخبار المتسارعة عن «كوفيد 19»، أن يصل إلى تصوّر أولي، ولو ذهنياً، بأنّ مفتاح هزيمة هذا الفيروس هو التعايش. نعم التعايش حتى يتم إنتاج اللقاح المجرّب الفعّال الذي يحقن أجساد البشر بالمناعة.

فيغدو هذا الفيروس كسواه من الفيروسات التي فتكت بالبشر سنينَ عدداً، ولكنّ تلك الفيروسات غدت الآن في متحف الذاكرة التاريخية، وفي القاع الأدنى من الألم الإنساني.

والتعايش يستدعي، استطراداً، الوعي الصحي بهذه الجائحة وأسبابها وأعراضها وسبل الوقاية منها، وقد أسهب الخبراء والأطباء والمسؤولون في بيان ذلك، حتى صارت الإرشادات خبز الناس وملحهم ونشيدهم اليومي، وهذا إنجاز تولّت الحكومات، بالدرجة الأولى، رعايته وتبنيه بأقصى درجات الإحساس بخطورة هذا الفيروس، رافعة شعار الأرواح قبل الأرباح.

وإن شاء المرء أن يختبر عنفوان الدولة المعاصرة في إدارة هذه الجائحة، فله في دولة الإمارات القدوة الحسنة؛ فقد أرست تقاليد صحية مبتكرة، وجابهت الفيروس حتى جبهته وهزمته، وها هي الآن تطارد فلوله بثقة واقتدار.

ومن دون إشاعة الهلع في نفوس الناس الذين ظلوا آمنين في بيوتهم، معتصمين بثقتهم التي بلا حدود بقيادة هذه الدولة التي حلّت في المرتبة الحادية عشرة عالمياً، كأكثر الدول أماناً في كفاءة الحجر الصحي والمراقبة والكشف، والتعاطي الخلّاق مع الجائحة التي أثقلت كاهل الدولة الكبرى في العالم، وأثخنت جراح أوروبا والعالم الأول.

فما بين مرحلتيْ الحظر الشامل والانفتاح الشامل، سارت الإجراءات بتدرّج ومرونة، بعد أن تعلّم الناس، مواطنين ومقيمين، الدرس جيداً، وأدركوا أنهم حرّاس على أنفسهم وعلى سواهم، فليس مستهجناً أن ترى علائم الاستنكار باديةً على وجوه الناس في المول التجاري إن هم رأوا أحداً لا تغطي الكمّامة أنفه وفمه، أو لا يلتزم شروط التباعد الجسدي، أو لا يستخدم القفاز إن هو شاء التسوق في ركن الطعام، مثلاً.

مضى الناس إلى حياتهم منذ أن أعلنت دبي عودة الحياة إلى طبيعتها، فترى الأصدقاء يحتسون القهوة متباعدين، ولا ينزعون الكمامة إلا لارتشاف جرعة من مشروبهم، ثم يعيدون الكمامة إلى وجوههم، كأنها أصبحت جزءاً من كيانهم ومن زيّهم.

وهذا مفتاح سر التعايش الذي يقوم على جعل الإجراءات، مهما ثقلت أو استبطنت إزعاجاً، أمراً مستساغاً، لأنّ مجابهة «كوفيد 19» تستحق التضحية بالتفاصيل الشخصية؛ فكسب المعركة، أية معركة، يحتاج إلى الصبر والنفَس الطويل، ويحتاج أيضاً إلى إدارة الحياة بما يليق بها كي تعاش على أحسن وجوهها وأكثرها جودة.

ستكون هذه الجائحة جزءاً من الذكريات الأليمة للبشر الذين ضربهم الفقدان والخسارة. وما من أحد من أربعة المليارات إنسان الذين احتجزوا في منازلهم وراء جدران الجزع والهلع إلا أصابته خسارة، صغرت أو كبرت، وهذه ربما تكون ملهمة، على اعتبار أنّ ما كان صعباً ستغدو ذكراه عذبة.

ما بعد «كوفيد 19»، ستتسنى فرصة لتأمّل الانهيارات الفادحة في كلّ شيء، وسيكون هناك انبعاثٌ جديد للتراجيديّات الكبرى، ولن يكون ثمة أقدر من الأدباء والشعراء والفنانين والسينمائيين والفلاسفة على تمثّل الكارثة التي عصفت بالروح الإنسانيّة وبالكينونة والوجود.

الجائحة ستنحسر، ولو بعد حين، ولكنّ ظلالها وآثارها وارتداداتها الزلزاليّة المتوحّشة ستلاحق البشر عقوداً طويلة. الانتصار الوحيد على هذا الخراب العميم، سيكون عبر الفنّ والأدب والفلسفة والتفكير الاستراتيجي.

نحن الآن في منتصف المشوار لهزيمة الجائحة، فلا يظنّن أحد أنّ الخطر قد زال، فهو ما انفكّ يحدّق في الكائنات، ويختار أكثرها هشاشة كي ينقضّ عليه، فلا يتعين أن نترك لهذا الفيروس أية فرصة للنفاذ إلينا، وهذا لا يتأتى من الخطب والنصائح والإرشادات الصحية فحسب، بل من الوعي القدير، واتّباع التعليمات، ووقاية النفس والآخرين، كي نصل إلى «زيرو إصابات» وحتى تكون الأرقام التي تُتلى على مسامعنا هي أرقام الشفاء والمعافاة، وما هذا عنّا ببعيد.

* أستاذ الإعلام في كلية محمد بن راشد. الجامعة الأمريكية بدبي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات