كوادر التمريض الوطني

أملت علينا جائحة كورونا الكثير من الظروف الاستثنائية، وجعلتنا نتفكر ونراجع أنفسنا في العديد من الجوانب سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي، ومن بين هذه المراجعات والتساؤلات؛ أين الممرض والممرضة المواطنون؟، صحيح أن هذا التساؤل قديم متجدد إلا أن هذه الجائحة جعلته في المقدمة، ونتساءل أيضاً لماذا كل هذا العزوف عند شبابنا وبناتنا عن مهنة التمريض؟، في حين أن هذه المهنة وخصوصاً في الأوقات الصعبة لها دور كبير في حماية مجتمعنا وتقديم الرعاية لمرضانا، ولا تقل أهمية عن مهنة الطبيب، بل على العكس في جائحة كورونا وجدنا أن العبء على الممرضين كان أكبر من أي أحد سواهم، فهم من يقدمون الرعاية الحثيثة، وهم من يقومون بتطبيق بروتوكولات العلاج للمرض، فهل فعلاً مازال مجتمعنا ينتقص من حق هذه الوظيفة السامية ولهذا يتم العزوف عنها.

تظهر الإحصائيات أن عدد الممرضين والممرضات المواطنين الذين يعملون في القطاع الصحي حتى منتصف عام ٢٠١٩ عددهم ٣٣٦ ممرضاً وممرضة، بنسبة لا تتجاوز ٨%، ولكم أن تتخيلوا أن تقريراً تم الكشف عنه في مؤتمر الصحة الدولي الثامن للتمريض والقبالة والخدمات الصحية المساندة، الذي انطلقت فعالياته ديسمبر ٢٠١٩ في أبوظبي، أظهر وجود ممرض واحد (ذكر) مواطن في أبوظبي. ورغم أن وزارة الصحة ووقاية المجتمع والجهات والهيئات التابعة لها قامت بإطلاق سلسلة من المحفزات لجذب شبابنا وشاباتنا للعمل التمريضي إلا أن هناك عزوفاً واضحاً عن هذه المهنة خصوصاً من فئة الذكور، وربما هناك العديد من الجوانب التي وجب التنبيه لها وتسليط الضوء عليها لتشجيع المواطنين للدخول في هذا القطاع، والذي يحقق لوطننا الأمن الصحي مستقبلاً.

لعل من أبرز التحديات التي تواجهها هذه المهنة هي عدم قبول مجتمعنا بشكل كامل لظروف عملها، فالتمريض يتطلب العمل لساعات طويلة ويتطلب العمل بنظام «الشفتات» في بعض الأحيان، ويتطلب أيضاً المخاطرة في بعض الظروف، ولكن كل هذا أراه رخيصاً أمام الأمن الصحي لوطننا، وأرى في هذه التحديات حافزاً لنشجع أبناءنا لدخول هذه المهنة السامية، فهؤلاء هم خط دفاعنا الأول اليوم وغداً أيضاً، وهم من سيقفون في وجه المخاطر التي تهدد مجتمعنا، ولذا لزم علينا أن نقدم المزيد من التضحيات ونغير من بعض أفكارنا الخاطئة لخدمة وطننا وأفراد مجتمعنا.

إن الظروف التي مررنا بها خلال أزمة كورونا جعلتنا ندرك أهمية القطاع الصحي، وأهمية الجهود المبذولة لتدريب وتعليم هذا القطاع ليكون قادراً على حماية أرواحنا، ولذا يجب أن يكون في الحسبان زيادة نسبة التوطين في هذا القطاع وخصوصاً مهنة التمريض وأن لا نكتفي بنسبة ٨% ولا حتى ٢٠% بل يجب أن تزداد النسبة عن ذلك، خصوصاً وأن البشرية معرضة للكثير من المخاطر الصحية ويجب علينا أن نؤسس لمنظومة الأمن الصحي والتي لا تقتصر على أعداد المستشفيات إنما أيضاً على أعداد القوى البشرية المواطنة العاملة في هذا القطاع الحيوي والهام.

من الأمور الأخرى الواجب الانتباه لها أن المحفزات المعنوية لقطاع الصحة قد ظهرت بشكل جلي خلال أزمة كورونا، وعلينا أن نستغل هذا الأمر في إعداد حملات تثقيفية في المستقبل القريب لجذب أبناء الوطن لمهنة التمريض، وبيان الدور الوطني الذي يقومون به خدمة لوطنهم ومجتمعهم، وقد شاهدنا العديد من النماذج الوطنية المشرفة التي بذلت الغالي والنفيس خلال الأشهر الماضية، وهؤلاء يجب أن يكونوا شخصيات حملاتنا التشجيعية لأنهم فخر للوطن وفخر لعائلاتهم، ومن هنا نبث الروح بهذه المهنة الإنسانية العظيمة.

وطننا بحاجة لشبابنا بحاجة لشاباتنا، ومستقبلنا مرهون بقدرتنا على توظيف قدرات مواطنينا في جميع القطاعات وقطاع الصحة من أهم القطاعات التي تستحق من وزاراتنا أن تدرس جميع الحلول لتشجيع أبنائنا وبناتنا للدخول في هذا القطاع، ويجب أن يتم فتح المزيد من كليات التمريض وإدراجها على سلم الأولويات في استقطابهم عند دخولهم الجامعات.

إن الوطن ينتظر شبابه وينتظر المجتمع الذي يفكر بمصلحة الوطن والمواطن، ودخول أولادنا مهنة التمريض شرف كبير في خدمة الوطن، ومهنة التمريض من أنبل المهن وأكثرها احتراماً، بل تعتبر في بعض المجتمعات من المهن المرموقة جداً وهي في الحقيقة كذلك ولذلك يجب أن نعيد حساباتنا المجتمعية والحكومية لنحقق هذا الجزء من أمننا الصحي في قادم السنوات.

* كاتب وإعلامي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات