الحزم العربي في مواجهة أطماع تركيا

لن يقبل العرب، ولن يسمحوا لتركيا بأن تعيد سيناريو تدخلها في الأزمة السورية في ليبيا أو في أي مكان آخر في المنطقة.

هذه هي باختصار فحوى الرسالة، التي خرجت واضحة الأسبوع الماضي من مصر، والجامعة العربية، فقبل أيام قليلة، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تسمح بتقدم الميليشيات الموالية لحكومة السراج، والمدعومة من أنقرة تجاه مدينتي سرت والجفرة الاستراتيجيتين، معتبراً أن ذلك «خطاً أحمر»، وأعلن صراحة أن أي تدخّل مباشر لمصر في ليبيا باتت تتوفر له شرعية دولية، موجهاً الجيش بالاستعداد لأي عمل عسكري داخل البلاد أو خارجها.

هذا الموقف المصري الحازم، الذي أفقد أنقرة وتوابعها توازنهم، وحرك العالم للبحث بشكل جاد عن تسوية سلمية للأزمة، وجد استجابة فورية من غالبية الدول العربية، التي سارعت إلى إعلان دعمها لمصر في مواجهة الانتهاكات التركية، وتأييد حقها في حماية أمنها الوطني، والأمن القومي العربي عامة.

وتجسد هذا الدعم بشكل أوضح في اجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ، الذي عقد يوم 23 يونيو الحالي، وفي البيان الصادر عنه، والذي أدان كل أشكال التدخلات العسكرية الأجنبية في ليبيا، والتدخلات الإقليمية في شؤون الدول العربية، بما فيها عمليات نقل المتطرفين والإرهابيين لليبيا، داعياً إلى تفكيك الميليشيات، وإخراج المرتزقة الأجانب، الذين جاءت بهم أنقرة من هذا البلد العربي.

لقد استغلت تركيا حالة فراغ القوة والفوضى الإقليمية، التي أحدثها ما يسمى «الربيع العربي» لتتغلغل في الشأن السوري تدريجياً، وتفرض أجندتها الإقليمية التوسعية في هذا البلد، حتى أصبحت طرفاً أصيلاً في هذه الأزمة، وتقاسم مناطق النفوذ والمصالح في هذا البلد.

ويبدو أن الصمت أو حالة اللافعل العربي إزاء التدخلات التركية في سوريا، قد أغرى أنقرة للتمادي أكثر، فقررت تكرار التجربة نفسها في ليبيا، في إطار ما بات يعرف بسيناريو «سورنة ليبيا»، مستخدمة الأدوات والأساليب نفسها، والمتمثلة في التنسيق والاعتماد على القوى المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، التي لا تعترف بالأوطان، ولا تعرف معنى للنخوة والانتماء، ونقل الميليشيات والمرتزقة من العناصر المتطرفة والإرهابية من سوريا إلى ليبيا، وإقامة جسور جوية وبحرية، لإرسال الأسلحة المتقدمة والمرتزقة، بل وقوات تركية نظامية إلى ليبيا لدعم حكومة السراج في مواجهة الجيش الوطني الليبي.

ما أسهم في حدوث تغيرات في موازين القوى على الأرض لصالح القوى الموالية لأنقرة، لكن هذه التطورات شكلت جرس إنذار لمصر والعالم العربي، ولا سيما أنها لا تشكل فقط انتهاكاً خطيراً لسيادة دولة عربية ومحاولة ضمها للنفوذ التركي بالكامل أو على الأقل جزء منها، مثلما حدث في السبعينيات عندما تدخلت أنقرة في قبرص وقسمتها، وسيطرت على قسم منها، وهو جمهورية قبرص التركية المزعومة، الذي لا يزال خاضعاً لها حتى اليوم، ومحاولة السيطرة على ثرواتها من النفط والغاز.

ولكن أيضاً تشكل تهديداً للأمن القومي العربي برمته، ولا سيما أن أنقرة تحاول أن تجعل من هذا البلد بؤرة جديدة للجماعات المتطرفة والإرهابية، التي تنقلها من سوريا وأماكن أخرى. ومن هنا جاء رد الفعل المصري والعربي حازماً.

وجاءت الرسالة المصرية المدعومة عربياً واضحة، وهي أن ليبيا لن تكون سوريا أخرى بالنسبة لتركيا، وأن سيناريو الحرب مطروح إذا أساءت أنقرة فهم سبب الحرص العربي على التوصل إلى تسوية سلمية، تضمن للشعب الليبي الخروج من هذه المأساة، التي يعانيها منذ نحو عشر سنوات، والعيش في دولة مستقرة وموحدة ومستقلة عن أي نفوذ خارجي، وغير خاضعة لسيطرة أية قوى متطرفة أو إرهابية.

* كاتبة إماراتية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات