«كوفيد 19» على نار هادئة

في الملمّات تظهر معادن البشر، كما تظهر شخصية الدول الواثقة الخطى، وربّ جائحة أو حدث جلل، كانت تمريناً حياً لاختبار الكفاءة والقدرة والأهلية، ومساءلة التخطيط الاستراتيجي.

عصف (كوفيد 19) بالعالم، وكاد أن يُعجزه، بعد أن حبس نحو 4 مليارات شخص في منازلهم، خلف أسوار الخوف والجزع والترقّب، وكم من شعوب ذاقت مرارة الفقد والموت الزؤام، والتباس الرؤية وضبابية المستقبل، رغم أنها تنتسب إلى دول العالم الأول، والأمثلة على ذلك أضحى يعرفها القاصي والداني.

(كوفيد 19) في دولة الإمارات لم يمرّ مرور الكرام، فقد أصاب بشراً عديدين، وأمات من كانت مناعته ضعيفة أو مصاباً بأمراض مزمنة، وأثّر على الاقتصاد، وغيّر العديد من قواعد العيش، حتى صار الكلام صائباً عن أن ما قبل «كورونا»، لن يكون كما بعده، فللجائحة إكراهاتها، التي ستشمل سائر مناحي الحياة، بيْد أن الذي لم يتغيّر في الإمارات هو الرؤية وعمق استبصار المستقبل.

فقد ظلت بوصلة الثبات الخلاق المتزن هي الهادي والمرشد لكل القرارات، التي اتخذتها الحكومة التي استنفرت إمكاناتها كافة، من أجل محاصرة الوباء وهزيمته، وإعادة الحياة إلى شرايين الدولة والبشر، عبر فرق متخصصة، لضمان استمرارية الخدمات، وضمان فاعلية أنظمة العمل عن بعد.

مرّت الأوقات الصعبة بلا أي ضجيج، فنحن نقيم في هذا البلد، ونراقب ما يجري في أوطاننا، ونقارن، وعند المقارنة تفترق الأشياء، فليست العبرة في قلة الإصابات، بل في كيفية التعامل مع الجائحة بعزم وثبات وبلا تخبط أو تردّد أو ارتهان للضجيج القادم من عوالم «السوشيال ميديا»، بل بوعي قيادة تكدّ بصمت، مدركة أبعاد الأزمة، وبأنها هي المعنيّة بحلها، وتلافي تداعياتها، تماماً كالأب الذي يحدب على عائلته، فيسّهده الليل، ويجتاح مآقيه الكرى، لكنّ أسرته نيام، مغمضون عيونهم على الطمأنينة والأمان، ولعَمري أنّ هذا ما كان يشعر به كل إنسان على هذه الأرض الطيبة.

هذه الثقة العالية في إدارة الأزمة «الكورونية» عكست شخصية الدولة الواثقة المستنيرة، التي تسير وفق خطط علمية واضحة، وهذا لا يتأتّى إلا لكل من آمن بفكرة الاستثمار في المستقبل، وهو ما أكده، في بداية الأزمة، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عندما قال سموه «استثمرنا لمدة 10 سنوات في التعلم الذكي.

وفي الخدمات الإلكترونية والذكية، وفي تعزير الجاهزية لحالات الطوارئ والكوارث. واليوم نجني الثمرة عبر استمرارية عمليتنا التعليمية وخدماتنا الحكومية الأساسية والاستباقية في التعامل مع الظروف الصحية العالمية».

وليس من عبث أن تصنّف الإمارات باعتبارها الدولة العربية الأكثر أماناً في ظل جائحة (كوفيد 19)، وفق ما أكده تقرير لمجلة «فوربس» الأمريكية، تقصّى معايير من بينها كفاءة الحجر الصحي والمراقبة والكشف والاستعداد الصحي والكفاءة الحكومية، في مئة دولة، فحلّت الإمارات في المرتبة الحادية عشرة عالمياً، متقدمة، كما أفادت الأنباء، على معظم الدول الأوروبية، والولايات المتحدة.

وفي غضون ذلك، لم تنكفئ الإمارات على نفسها، ولم تحتكر السلامة لأهلها ولمواطنيها والمقيمين فيها، بل صدرّت المعدّات والأجهزة الطبية لمكافحة الوباء إلى عدد كبير من دول العالم، وخاطرت طائراتها في أكثر الأوقات صعوبة وتهديداً، مجسّدة شعار الأخوة الإنسانية بأبلغ معانيه.

«في الرياح السيئة يُختبر القلب»، لذا جرت وتجري حتى الآن مكافحة (كوفيد 19) على نار هادئة، وتلك ميزة العارف الواثق السائر على هدي من قلبه وعقله، وأنّ ما زرعه في الماضي، يقطفه الآن، ويتذوّق حلاوته، رغم مرارة المأساة.

* كاتب صحفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات