تركيا والعقدة الروسية

هناك حكمة بالغة تقول إن من يقرأ التاريخ لا يخطئ القرار في المستقبل، وعلى مدار أكثر من ثلاثة قرون – منذ حرب القرم الأولى ما بين 1768 و1774 وحتى الحرب العالمية الأولى كان «الصراع» هو العنوان الوحيد للعلاقات التركية الروسية، حيث نشبت بين الطرفين 16 حرباً انتصرت في جميعها روسيا، وهو ما أدى في النهاية لانهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1917، وفي عام 1952 أدخل الغرب تركيا حلف شمال الأطلسي «الناتو» لتعمل كـ«دولة وظيفية» ورأس حربة متقدم ضد حلف وارسو والاتحاد السوفييتي السابق، واليوم في ظل الخلافات الجديدة بين الطرفين في آسيا الوسطى والبلقان وسوريا وليبيا وغيرها، هل يمكن لتركيا وروسيا أن يكونا في نفس الفسطاط؟

رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معروف عنه «صناعة الأصدقاء» إلا أن كل ما قدمته روسيا لتركيا الأردوغانية لم يغير من عقلية أنقرة تجاه موسكو، والشاهد على هذا هو محاولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتماد نظرية «اللعب على المتناقضات» في العلاقة مع موسكو وواشنطن، لكن في النهاية أيقنت موسكو أن أنقرة لا تزال تحلم بتفكيك الاتحاد الروسي من خلال نشر الإرهاب والتطرف داخل بعض الجمهوريات الروسية كالشيشان وبشكيريا وأنغوشيا، كما أن تركيا تتحالف مع جمع أعداء روسيا في آسيا الوسطى خاصة جورجيا وأوكرانيا، حيث الخلافات عميقة بين هذه الدول وروسيا.

حقوق التتار

وأعلن أردوغان صراحة بأنه ضد ضم شبه جزيرة القرم لروسيا، وهو ما يصب لصالح أوكرانيا غريمة روسيا، كما أن أردوغان يتحدث يومياً عما أسماه بحقوق التتار في روسيا، وأن الحقوق الحالية أقل من حقوق الروس، وهي دعوة مفتوحة للتمرد على الدولة الروسية، كما كشفت بيانات روسية وغربية أن «الناتو» والولايات المتحدة اعتمدوا على أردوغان في تهريب السلاح لجورجيا لمحاربة الجيش الروسي ومحاربة مؤيدي روسيا على الأراضي الجورجية، وفي البلقان حدث ولا حرج عن العمل التركي الدائم ضد العلاقات الخاصة بين روسيا وبعض دول الإقليم، غير أن المشكلة الكبرى التي يستعد لها الطرفان الروسي والتركي ستكون عام 2023 حيث يقول أردوغان إن العمل باتفاقية حرية الملاحة في مضيق البوسفور سوف تنتهي، وأن المضيق سيتحول لمضيق وطني محلي داخل الأراضي التركية، ومن يريد العبور فيه عليه دفع رسوم ضخمة، وهو أمر لا يمكن لروسيا أن تقبله على الإطلاق، حيث تمر غالبية صادراتها الزراعية، ويمر عدد كبير من سفن أسطولها البحري عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، واشتكت بالفعل روسيا من المراقبة والتنصت التركي على سفنها العسكرية أثناء المرور في البوسفور.

فشل المشروعات

يضاف إلى كل ما سبق، فشل كل المشروعات المشتركة خلال السنوات الأخيرة، فتركيا اشترت منظومة الدفاع الصاروخية «أس 400» من روسيا، لكنها حتى الآن لم تعمل بها رغم مرور أكثر من عام على استلامها، ومشتريات تركيا من خط الغاز الروسي لا تزيد على 30 في المئة من طاقته، كما أن رواية تركيا للغرب عن احتلالها لغرب ليبيا ينطلق من ادعائها بأنها ستكون «قوة مانعة وحاجزة» لأي نفوذ روسي في المستقبل، كما أن تفاصيل المشهد السوري دليل آخر على أن تركيا وروسيا لا يمكن أن يكونا في الخندق ذاته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات