صناعة الحياة

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في «تغريدة» له على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» منذ أيام: «علمتني الحياة.. أن الحياة لا تتوقف.. تنتهي مرحلة لتبدأ أخرى.. وينقضي أمر ليأتي آخر.. كما يتعاقب الليل والنهار تتعاقب الأحداث.. وتتجدد الحياة..

ويعود الإنسان دائماً لحركته، التي أرادها الله.. لا ييأس.. ولا يفتر.. بل ينطلق في إصرار دائم لصناعة الحياة».

لو قرأنا هذه «التغريدة» لسموه، بتأمل مجتهد، لوجدنا أن نقطة القوة فيها هي في آخر كلمة، وهي مصطلح «صناعة الحياة»، والتي هي موضوع هذا المقال.

أول ما يتبادر إلى الذهن حول مصطلح «صناعة الحياة» هو ذلك الكتاب الشهير لإدوارد يوكسين، الذي صدر عام 1988م بعنوان «في الهندسة الوراثية - صناعة الحياة»، وبين فيه كيف تمكن العلماء من هندسة الحياة للأغراض التجارية، حيث كانت البكتيريا هي أول الكائنات، التي تمت هندستها وراثياً في عام 1973، ومن ثم تليها التجارب المخبرية عام 1974، وقد تم بيع الإنسولين، الذي تنتجه البكتيريا في العام 1982، بينما بدأ بيع الغذاء المعدل وراثياً منذ العام 1994.

إن أي صناعة لا بد أن تسبقها عملية هندسة لمكونات المنتج، الذي يتم صناعته، وفي صناعة الحياة لابد من هندسة للأسباب المكونة لتفاصيل المحتوى الذي نعيشه أو الذي سوف نعيشه غداً، فأسباب اليوم الجيدة هي التي تسهم غداً في صناعة حياة جيدة، فليس المغزى في صناعة الحياة بحد ذاته، ولكنه في صناعة حياة بمواصفات جيدة وممتازة، وعلى أعلى المقاييس.

ويشير معنى الهندسة بشكل عام إلى إنشاء تصميم لصناعة منتج جديد خال من العيوب، وبالمثل فإن صناعة الحياة تعني تصميم حياتنا التي نعيشها، وإعادة صياغة عالمنا، الذي نحيا فيه وفق أعلى المقاييس، وذلك بتهيئته بأفضل الأسباب، وكلما كانت تلك الأسباب على مستو عال من الجودة كان المنتج الذي تخلقه على مستو عال من الجودة أيضاً.

فنعيش حياتنا كما يجب أن نعيشها، ليس بالاحتكام إلى الظروف، ولكن بالاحتكام إلى الأسباب التي كانت من تصميمنا وصناعتنا، وقد قيل «نحن ما نفكر فيه وكل ما فينا ينبع من أفكارنا، وبأفكارنا نصنع عالمنا».

ومن الزاوية الاقتصادية نجد أن الهندسة المالية تشير إلى صناعة مشاريع اقتصادية مؤمنة من المخاطر، ومأمونة المكاره ومحتاطة من الأزمات المستحدثة، التي ليست ضمن الحسابات المتوقعة، بمعنى أنها صناعة اقتصاد على مستوى عالٍ من الجودة مستدام ومتنامٍ إلى أعلى حد.

وكما نفهم من «تغريدة» صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فإن الأيام تتوالد من بعضها مثلما أن الكلام يفتح بعضه بعضاً، والأفكار تنتج أفكاراً، والحزن ينتج الحزن، والأسى يبعث الأسى، والعلم يفتح الباب لعلوم كثيرة جديدة، والأموال تأتي بالأموال والأسباب تصنع النتائج، وهكذا تجري دورة الحياة في هندسة دقيقة لمكوناتها وصناعة مقتدرة بالغة الحرفية لمحتوياتها.

إن «تغريدة» صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، رعاه الله، دعوة للتفاؤل، فما يجب أن نفهمه منها أنه لولا الأسباب الجادة، التي هيأناها بالأمس لما كان حاضرنا اليوم بهذه المتانة والصلابة،

ولكان وقع الجائحة، التي هزت أركان أقوى دول العالم، على بلادنا أشد مما اهتزت له أركان تلك الدول، والحياة ماضية قدماً، شئنا أم أبينا، وعليه يجب أن نصنع المستقبل وأيامنا المقبلة بأفضل مما كان بالأمس، وأن نهيئ له من الأسباب ما يكفي لنصنع حياتنا بأعلى مواصفات ومقاييس الجودة،. وللحديث بقية.

* خبيرة الاقتصاد المعرفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات