حليب العصفور!

في المأثور الصيني تذكر القصة أنّ شيخاً حكيماً كان يقطن إحدى القرى، وقد عُرِف عنه قدرته على قراءة الأحداث والتنبؤ ببعض أمور المستقبل بناءً على ما يراه من سياق الأحداث أمامه، الأمر الذي جعله محط احترام وإعجاب سُكان القرية، وهو شيءٌ لم يُعجب اثنين من الأشقياء، فعمد أحدهما وأمسك بعصفور صغير خلف ظهره ووقف أمام الشيخ الحكيم وقد أراد إحراجه على الملأ بإثبات خطأ تنبئه، فسأله إن كان العصفور حياً أم ميتاً؟!

علم الشيخ أن القضية خاسرة مع أي جواب، فإن قال «ميّت» فسيتركه يطير، وإن قال «حي» فسيضغط عليه بقبضته حتى يكتم أنفاسه ثم يُظهِره للناس وهو ميّت، فابتسم الشيخ وقال له وهو يكمِل مسيره: العصفور سيكون كما تريده أنت!

البعض في هذه الأيام أصبح مثل ذلك الشقيّ، يعشق المشاكسة ويهوى المخالَفة ولا يعجبه العجب ولا صيام رجب، لديه قناعة راسخة أنّ كل ما يجري هو معيب ولا بد أن يُصلِحه، وأن كل الجهود منقوصة ولا بد من تصويبها كما يرى هو، ليس بكاملٍ في نفسه لكنّه يريد الكمال في غيره، يقتات على الأحداث السيئة ويطرب للعثرات التي لا يخلو منها إنسان، ليبدأ في ردحٍ مُعاتِبٍ، يُبطَّن بالغمز تارة، ويُصرَّح بالنقد اللاذع تارةً أخرى، ولسان حاله يقول: «أنتم بدوني كيف تعيشون»!

نعم نحن مع النقد البناء في الأمور التي تستحق، لكن لا يُعقَل أن يكون النقد لكل شيء، هناك مساحات رمادية يُفضَّل تجاوزها لأنها مما لا يخلو مجتمعٌ من وجودها وبها مجال كبير «للتطويف»، وإنّما يتوجب النقد «المهذّب» في الأمور التي يمس وجودها سلامة الكيان وازدهاره وحاضر مجتمعه ومستقبله، وهذا النقد بدوره لا بد أن يكون متزناً، وأن ينصب على نقد السلوك أو الإجراء وليس الإنسان، حتى لا يبدو ذلك «شخصنة» وثأراً ذاتياً لا يُضيف للمجتمع إلا بلبلة هو في غنى عنها إنْ لم يذرَّ الملح على الجروح المفتوحة!

يُعرِّف لورنس بيتر - الأكاديمي الكندي الشهير – الخبير بأنّه ذاك الذي سيخبرك في الغد لماذا لم يحدث اليوم ما قاله لك بالأمس، ويبدو أنّ السيد لورنس يحتاج أن يُضيف تعريفاً آخر بأنّ الخبير هو الذي سينتقِد اليوم اختياراً صعباً تم بالأمس بظروف غير طبيعية ووفق معلومات لم يصل غيرها، ثم ثبت اليوم أنّ النتائج الجديدة توجِب إيقاف ذلك الخيار ثم يوقَف فعلاً، ليقفز الخبير منتقداً ويملأ الفضاء ضجيجاً وهو الذي كان صامتاً بالأمس صمت المقابر!

وباء فيروس «كورونا» وباء غير مسبوق، والمعلومات عنه غير معروفة لكونه مستجداً، وباستمرار الأبحاث تخرج توصيات بإجراء احترازي معين أو عدم ممانعة في استخدام دواء موجود لمرضٍ آخر لكن ثبت نجاحه في شفاء عدد كبير من المصابين في دولةٍ ما، لذلك تسارع الحكومات المهتمة بشعوبها والحريصة على سلامتها كما تفعل حكومتنا الغالية للمسارعة إلى تطبيق تلك الأمور الاحترازية وتوفير كميات كبيرة من تلك الأدوية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية لفعاليتها في بلدٍ ما، هذا التصرّف هو «أقصى» ما يمكن أن يحلم به أي مجتمع حالياً، و«أوضح» دليل على حب تلك الحكومة لشعبها، ولو استطاعت أن تشتري له حليب العصفور لفعلت!هذا النهج الرائع والـمُقدَّر للحكومة الغالية يبدو أنه لا يحوز رضا بعض خبراء «تويتر» وأبطال الشاشات، فهم كما يظهر يريدون للحكومة أن تعلَم الغيب، ويعاتبها على توفير كميات كبيرة من دواء معيّن وجّهت باستخدامه تلك الفترة منظمة الصحة العالمية ثم ثبت أنّ له مضاعفات وتم إيقافه، ليخرج علينا أحدهم منتقداً اختيار الدواء وهو لم يقل شيئاً سابقاً، ويتباكى على المبالغ التي دُفِعَت لتوفيره، نعم يا سادة، ليست أموالاً تمت إضاعتها، ولكنها أموال أُنفقِت بسخاء لتوفير دواء «مُوصَى به» حرصاً على حياة هذا المنتقد وغيره!

من حقك أن تنتقد إن كان للصالح العام ولأمرٍ يُنتَقَد مثله، شريطة أن يكون ذلك دون تجريح أو تسمية شخصٍ أو جهة، ولكن أن يكون الانتقاد هو الديدن الوحيد للإنسان فذلك غير سليم، فانتقد ما يستحق وبالمقابل امتدح ما ترى من إنجازات ومجهودات، ولا تطالب غيرك بما لا تُطالِب به نفسك، فإن كان لديك مقترح فـ«الميدان يا حميدان» ولكن دعِ العصفور في حاله!

 

*كاتب إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات