بين الأمن الصحي والأمن الاقتصادي

وضعت جائحة «كوفيد 19» غالبية دول العالم في اختبار صعب بين تحقيق الأمن الصحي للمواطنين بما يتطلبه من إجراءات إغلاق اقتصادي وتباعد اجتماعي لكسر حلقة انتشار الفيروس والتمكن من السيطرة عليه، وبين الأمن الاقتصادي بما يتطلبه من استمرار لعجلة العمل والإنتاج في القطاعات المختلفة.

وكان الاختيار محسوماً بطبيعة الحال لمصلحة الأمن الصحي؛ لأن حياة البشر وصحتهم هي الأساس ومن دون ذلك لا مجال للحديث عن أي تطور سياسي أو اقتصادي، بعدما أثبتت هذه الجائحة أن «السياسة والاقتصاد يتقزمان أمام فيروس يجعل دهاة العالم في حيرة وخوف وتيه»، كما قال ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.

كان الافتراض أن تكون حالة الإغلاق الاقتصادي وإجراءات التباعد الاجتماعي مؤقتة بضعة أسابيع، حتى يتم وقف تفشي الفيروس، ولكن مع استمرار الأزمة أكثر من أربعة أشهر حتى الآن، وعدم وجود أفق للخروج من النفق المظلم الذي أوجده هذا الفيروس الخطير بالرغم من السباق العالمي المستعر لتطوير لقاحات لعلاجه أو الوقاية منه.

بدأت قضية الأمن الاقتصادي تثار بقوة مع تراكم الخسائر الاقتصادية الضخمة الناجمة عن إجراءات الإغلاق، وما أفضت إليه من تعطل لعجلة العمل والإنتاج في كثير من القطاعات الاقتصادية الحيوية حول العالم.

وانضمام عشرات ملايين الأشخاص إلى صفوف العاطلين عن العمل، فيما بدأنا نشهد أصواتاً رسمية تتعالى تحذر من أن عدد الأشخاص الذين قد يموتون من تبعات توقف الاقتصاد ربما يفوق عدد أولئك الذين يموتون جراء وباء كورونا.

في هذا السياق، بدأت العديد من دول العالم، بما في ذلك دول تعد مركزاً لتفشي الوباء، مثل إيطاليا وألمانيا وأسبانيا وفرنسا وغيرها، باتخاذ إجراءات تدريجية لإعادة فتح وتنشيط بعض القطاعات الاقتصادية لديها، وتخفيف إجراءات العزل والتباعد الاجتماعي، بالرغم من بعض التحذيرات من احتمال وجود موجة ثانية شرسة لهذا العدو الخفي.

لا شك في أن السير في مسار إعادة فتح الاقتصاد وتخفيف إجراءات العزل الاجتماعي، يبدو ضرورياً وربما حتمياً؛ لأن استمرار الإغلاق قد تكون تكلفته أكبر وأخطر، وبالتالي فإن سلوك هذا المسار يجب أن يقترن بإجراءات وضوابط صارمة لمنع مزيد من تفشي الفيروس، وبأسلوب تدريجي مرن.

وقد شبه رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي مسار العودة للحياة الطبيعية بـ«إعادة تعلم كيفية المشي»، مشيراً إلى ضرورة «المشي خطوة خطوة بحذر واهتمام، لتجنب السقوط والعودة للوراء».

في دولتنا الحبيبة، دولة الإمارات العربية المتحدة، نجحت حكومتنا الرشيدة في تحقيق هذه المعادلة الصعبة بين الأمن الصحي والأمن الاقتصادي، من خلال التطبيق الصارم لإجراءات العزل الاجتماعي، وزيادة الفحوص للكشف عن المصابين وكسر سلسلة تفشي الوباء، وغيرها من الإجراءات التي مكنتها بالفعل من السيطرة على هذا الفيروس.

وفي الوقت نفسه الحفاظ على عجلة العمل والإنتاج من خلال إبقاء القطاعات الاقتصادية الحيوية، وتطبيق آليات العمل عن بعد في مختلف المؤسسات والهيئات، بشكل حافظ على متانة واستقرار الاقتصاد الوطني.

ومع توجه حكومتنا الرشيدة إلى التخفيف الجزئي لإجراءات العزل الاجتماعي وفتح بقية القطاعات الاقتصادية تدريجياً، أسوة ببقية دول العالم، ستكون مسؤوليتنا نحن، كمواطنين ومقيمين أكبر في إنجاح جهود قيادتنا الرشيدة للعودة للحياة الطبيعة، وتحقيق الأمنين الصحي والاقتصادي معاً.

وذلك من خلال الالتزام الصارم بإجراءات الوقاية الصحية والتباعد الاجتماعي في ممارستنا لأنشطتنا الاقتصادية وأنشطة حياتنا اليومية. مصلحتنا المشتركة جميعاً، من أفراد ومسؤولين، هي الانتصار على هذا العدو الخفي والعودة لمسيرة العمل والريادة والحياة الطبيعية، وهذا لن يتم إلا من خلال دعم جهود حكومتنا الرشيدة والالتزام بكل ما يصدر عنها من توجيهات في مواجهة هذا الوباء الشرس.

* كاتبة إماراتية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات