الوجه الآخر لـ«كورونا»

دخل اللص البيت، شعرت المرأة بحركة غريبة. أيقظت زوجها الذي ركض إلى الصالون وما إن رآه اللص حتى ركض هارباً من الباب الذي فتحه بطريقة احترافية.

الرجل أخذته الحمية ولحق باللص الذي ركض سريعاً والرجل ظل يركض خلفه. تعب اللص وتباطأت خطواته.

ولكن الرجل المأخوذ بالحمية ظل يركض حتى سبق اللص وظل يركض ناسياً أمر اللص ولماذا يركض.تذكرت هذه القصة وأنا كغيري أحاول أن أجعل فترة «خليك في البيت» مناسبة لتحويل المحنة إلى منحة، كما يقولون. منحة التأقلم مع الأوضاع الصعبة واستغلالها للحصول على أمور لم يكن بالإمكان الحصول عليها في زحمة الحياة.

والأهم التعرف على نفسك وعلى المحيطين بك لتكتشف أن ثمة «تفاصيل» مهمة لم تكن تدقق فيها إذ كنت تركض لكسب عيشك حتى، مثل الرجل الذي لحق الحرامي، نسيت لماذا تركض.

منذ القرن التاسع عشر راجت مقولة الشيطان يكمن في التفاصيل، التي تعني وجود شيء أو عنصر غامض مخبأ في الجزئيات. تلك العبارة، التي وردت في هكذا تكلم زرادشت لفريدريك نيتشه، وكان القصد منها أنه لا ينبغي أن نغفل عن التفاصيل، لأنها قد تكون سبباً في مشكلات عديدة، وما الشيطان في نظره إلا ذلك الكائن الشرير الذي ينشر الفوضى بشكل مستتر، عن طريق تأثيره تأثيراً مباشراً في جزئيات قد تعود علينا بالخطر إذا لم ننتبه إليها، ونحذر أثرها السيئ.

ولكن خلافاً لتلك المقولة فإن «الخير أيضاً يكمن في التفاصيل» وليس الشر متمثلاً في الشيطان. هذا ما تكتشفه في هذا الفراغ الفسيح في شقة ضيقة أثناء حظر التجول. وأنت ممدد على أريكة مريحة صارت متعبة لطول جلوسك عليها، وأنت تتناول كتاباً من الكتب التي علاها الغبار ومنها لأصدقاء لم يتح لك الوقت لقراءتها، فاكتفيت بقراءة الإهداء وتصفحته سريعاً. الآن، تقرأ بنهم، تدقق في «التفاصيل» وتتعلم ما فاتك من معرفة.

من التفاصيل التي أتاحها لك الحظر، أن تعرف لون عيون أبنائك ولون ملابسهم وأكلاتهم المفضلة وعدد أحذيتهم ولا نقول عددهم، فهذا عرفناه لأن عددهم خمسة وليس تسعة كما قال فنان العرب، كما أطلق عليه الحبيب بورقيبة، محمد عبده صاحب الصوت الذي يُسمع بالقلب وخاصة حين يغني «الأماكن كلها مشتاقة لك» والذي كان يظن أن أبناءه ثمانية.

النهار في الحظر طويل والليل أطول. تشعر بأن اليوم أكثر من أربع وعشرين ساعة وما عليك سوى أن تتكيف وتأكل كلما استنفدت هواياتك المنزلية وشعرت بالملل فيزيد وزنك وتضيق عليك ملابسك.

ولأن حظر التجول أمر فرضه فيروس كورونا على معظم دول العالم كوسيلة مهمة لعدم انتشار الوباء، فما عليك إلا أن تمتثل للتعليمات الصحية بدقة. أما بقية اليوم فإنك تتسمر أمام شاشات الفضائيات تتابع أخبار كورونا المتدحرجة مثل كرة الصوف، ما إن تمسك بطرف الخيط حتى يفلت من أصابعك لتعود تبحث عن آخر. لا أحد يعرف أصل الفيروس «كوفيد 19» ولا كيف ينتشر بهذه السرعة وطبعاً لم يتوصل مختبر للقاح مؤكد.

آخر أخبار كورونا، وليس الأخير طبعاً، ما ورد على لسان الطبيب الإيطالي البارز البرتو زانجريلو الذي يرأس مستشفى سان رفاييل في ميلانو بمنطقة لومباردي الذي تحمل العبء الأكبر لعدوى فيروس كورونا في إيطاليا قوله: في حقيقة الأمر، الفيروس لم يعد موجوداً إكلينيكياً في إيطاليا. وأضاف المسحات التي أخذت على مدى الأيام العشرة الماضية أظهرت حمولة فيروسية متناهية الصغر من حيث الكمية مقارنة بالمسحات التي أخذت قبل شهر أو اثنين.

يذكر أن إيطاليا سجلت ثالث أعلى حصيلة وفيات بكوفيد 19 على مستوى العالم. وتأتي في المركز السادس عالمياً من حيث الإصابات. ولكن الإصابات والوفيات انخفضت بشكل مستمر في مايو أيار وتقوم البلاد بتخفيف بعض من قيود العزل التي تعد الأشد صرامة بأنحاء العالم.

وقال زانجريلو إن بعض الخبراء يبالغون في التوجس من احتمال وقوع موجة ثانية للعدوى ولذا يتعين على الساسة وضع الواقع الجديد في الحسبان. وأضاف: علينا أن نعود كبلد طبيعي. على أحدهم تحمل مسؤولية ترهيب البلد.

وفيما يلفك التفاؤل بنهاية كورونا يأتيك من يرعبك بالقول إن فيروساً مصدره الدجاج قادم وسيقضي على نصف سكان العالم. وآخر يحذر من موجة أخرى أخطر في الخريف من كورونا.

أمام هذه الأخبار ما عليك إلا ألا تستمع للأخبار، تواصل حياتك بكل ما أوتيت من عمر مكتوب وتتوكل على من منحك الحياة.

* كاتب أردني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات