الكاظمي في مواجهة استحقاقات أزمات خطيرة

خلافاً للذين سبقوه في رئاسة مجلس الوزراء العراقي منذ عام 2005 لا ينتمي مصطفى الكاظمي إلى أي حزب عقائدي ديني، ما يجعله أكثر حرية في صوغ رؤاه واتخاذ قراراته.

ففي أول كلمة يلقيها عقب تكليفه بتشكيل الوزارة أعلن أنه سيسعى لتحقيق مطالب الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في الأول من أكتوبر عام 2019 ، وهو ما سبق أن وعد به سلفه الزرفي وسلف سلفه علاوي اللذان اصطدما بجدار رفض برلماني صلد أطاحهما.

يأتي تكليف الكاظمي بتشكيل الوزارة في ظروف احتقانات سياسية معقدة جداً محلياً وإقليمياً، حيث بدأ صرير رياح التغيير يشتد حدة مع ازدياد وتيرة القمع للانتفاضة الشعبية التي اندلعت في الأول من أكتوبر 2019 ، ولم يوقف تداعيات هذا الصرير سوى ظهور جائحة «كورونا» التي منحت النظام القائم والمرفوض شعبياً فرصة لاسترداد بعض أنفاسه.

بعد فشل مرشحين اثنين لرئاسة مجلس الوزراء منذ استقالة عادل عبدالمهدي قبل خمسة شهور، مرر مجلس النواب كابينة الكاظمي على مضض بسبب التباينات الشديدة في مواقف ومصالح القوى السياسية، التي تصنع قرار اختيار رئيس الوزراء ووصول أجندتها إلى نهايات مسدودة لتعارضها مع المصالح الوطنية للعراق.

والتي ظهرت إلى العلن بعد أن تراخت اليد الإيرانية، التي توحد قرار هؤلاء عقب مقتل قاسم سليماني وتراجع النفوذ الإيراني في عموم المنطقة. إلا أن ذلك لا يعني أن الكاظمي لم يعد يسير في حقل ألغام وخاصة بعد أن فتح ملف المختطفين والمغيبين وهو الملف الأكثر خطورة لأن له امتدادات وترابطات عديدة.

مطالب انتفاضة أكتوبر 2019 تتلخص باجتثاث الطبقة السياسية الحاكمة بالكامل، عمائم وأفندية، أحزاباً وتيارات، فاليأس من جدوى بقائها، أشخاصاً وبرامج وأداء، قد بلغ أقصى أقصاه، فالقناعات قد تعززت بأنه لم يعد هناك سبيل لوقف انحدار العراق، نحو المجهول إلا من خلال ميلاد فجر جديد ترسم معالمه رؤى عراقية محضة تنفذ بأيدٍ لم تلوث نفسها بالتحالف مع الجار الشرقي أو بالأحرى بالتبعية المطلقة لإرادته عبر التسلح ببراقع دينية مذهبية وبهري ميليشياوية.

فبعد مرور سبعة عشر عاماً من مرارة العيش، لم يعد الشارع العراقي بمختلف مشاربه يتقبل الطروح التي تعد بالآمال الواسعة والتوقعات الكبيرة لكثرة إخفاقات الماضي وقلة حصاد الوعود والعجز عن التغيير الذي أصبحت جميع أدواته تقريباً بيد الطبقة الحاكمة ذات المصلحة في الإبقاء على معادلات التوازن القائمة على حالها.

الأمل الوحيد المتبقي هو مجيء طبقة سياسية جديدة من العتمة التي يفرضها الواقع السياسي العراقي، من خلال انتخابات نيابية مبكرة وفق نظام انتخابي جديد يدار بأيدٍ قضائية نزيهة وبإشراف دقيق من جهات دولية، وممثلين لساحات الانتفاضة العراقية.

هناك تحولات مهمة في العقلية السياسية، مع تراجع دور جيل السياسيين التقليديين الذين لم يراهن أغلبهم على العراق، فالبدايات الأولى للكاظمي تبعث بعض الأمل، وهي ليست سوى خطوات أولية في طريق شاق وطويل فهناك صدمات عديدة قادمة في الطريق، ليس من السهل على حكومته امتصاصها أو التخفيف من ارتداداتها، من غير استعادة هيبة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها على أسس الولاء للعراق وليس لأية جهة أخرى، واعتماد خطط واقعية لمقاربتها وفق قدرات العراق الذاتية في أطر التوازنات الإقليمية والدولية. فحكومة الكاظمي أمام مهمة اتخاذ قرارات غير تقليدية تتسم بالشجاعة لمواجهة تداعياتها، فالملفات التي تدفع بالعراق نحو الهاوية تزداد تراكماً، ومستقبل البلد يتطلب مواجهتها جميعاً بشجاعة وشفافية.

ثوابت لا مفر من أخذها بنظر الاعتبار عند تحليل الواقع السياسي العراقي الحاضر ومآلاته المستقبلية، في ضوء التوازنات الإقليمية والدولية التي تسمح بالتدخل بمساراته، من قبل بعض دول الجوار أو غيرها بدرجات متفاوتة والأبرز فيها هو الحضور الإيراني والأمريكي.

صحيح أن الحضور الإيراني في الحياة السياسية العراقية على مدى السنوات السبع عشرة المنصرمة أكثر وضوحاً من حضور غيره، إلا أن من خطل الرأي تصور أن موقع الملف العراقي في تسلسل أضابير الأمن القومي الأمريكي، قد تراجع إلى مرتبة ثانوية الأهمية، فالحوار الاستراتيجي المزمع بدأه بين بغداد وواشنطن خلال شهر يونيو الجاري، سيكون بين طرفين طرأ تغيير ملحوظ على طرائق مقاربتهما لأزمات المنطقة لمصلحة تحقيق السلم والاستقرار في ربوعها.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات