«كورونا».. ضوابط وثقافة

يستخدم كثيرون مصطلح «العودة للحياة الطبيعية» في توصيف حالة التراجع في جائحة كورونا، وبالتالي رفع القيود التي فرضتها الحكومات، وفرضها الأفراد على أنفسهم، وإن على نحو تدريجي.

من متابعة المشهد برمّته، يمكن للمرء أن يخلص إلى جزئيات تشكّل في حدها الأدنى معاً صورة جديدة للحياة والعالم، أقلّها أن لا عودة إلى عالم ما قبل «كورونا»، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا سلوكياً. ولا يعني هذا أن عالم ما بعد كورونا سيكون أسوأ بالجملة أو أفضل بالجملة، إنما سيكون نتاج مفاعيل عملية تاريخية فيها الجديد الإيجابي والجديد السلبي.

من السابق لأوانه تشكيل صورة تعكس إعادة تشكيل العالم سياسياً واقتصادياً، إذ إن هذه الصورة تتوقّف على عوامل عديدة يصعب التكهّن بمفاعيلها في هذه المرحلة، وليس واضحاً منها سوى أن العالم بعد «كورونا» لن يكون هو نفسه قبله، بمعنى أن موازين القوى والعلاقات الدولية ستتشكّل تبعاً لما ستتركه الجائحة من تداعيات على مختلف الدول المتنفّذة اقتصادياً وسياسياً.

أما الشق المتعلق بحياة الناس وسلوكياتهم اليومية، فهذا مرتبط بكل فرد في المجتمع. فعندما يطول الزمن بأي ظاهرة ـ ومنها ظروف الوباء ـ تتحوّل هذه الظاهرة من جديدة إلى «طبيعية»، وتتبخر مفاعيل الدّهشة الأولى وتصبح مع الوقت عادة. وفي هذا التحوّل لا تستمر معادلة «حكومة تقرر وأفراد يلتزمون»، وتصبح المسؤولية جماعية وفردية.

ثمّة ضوابط لا بد من أن تنتقل من الفرض الموضوعي الفوقي على الالتزام الذاتي الطوعي. وضع الكمامة مثلاً لا ينبغي أن يكون سلوكاً دافعه الخوف من مخالفة مادية، بل الحرص على النفس والأسرة والمجتمع من فيروس ما زال يمارس عدوانيته من دون رادع لقاحي. ومسائل أخرى مثل التباعد الجسدي وتجنّب التجمّعات في الأماكن المغلقة، ونفض عادات مثل العناق والتقبيل، وحتى المصافحة بالأيدي، لن يبقى استمرارها مبرراً طالما سينتج عنها ضرر قاتل.

وبهذا المعنى، في زمن ما بعد «كورونا»، ستصبح الضوابط ثقافة وفن حياة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات