العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    القضية الفلسطينية إلى أين؟

    تمخضت الصراعات عن حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل بعد ولادة عسيرة وثلاثة انتخابات عامة. وقد أخذت عملية تشكيل الحكومة فترة من الزمن، ثم تعثر إعلانها في موعدها، وأخيراً أعلن التحالف بين ائتلاف أزرق أبيض بقيادة رئيس الأركان السابق بيني غانتس والليكود اليميني بقيادة بنيامين نتانياهو.

    ويقتضي الاتفاق بين الطرفين أن يتولى نتانياهو رئاسة الوزراء سنةً ونصف السنة، ثم يتولى خصمه وشريك التحالف بيني غانتس الولاية في الفترة الثانية. وكما هو معروف فإن هناك سابقة في تاريخ الحكومات الإسرائيلية حين تحالف الليكود والعمل بعد غزو لبنان، وقاد التحالف شمعون بيريز في الفترة الأولى بينما ترأس الحكومة إسحاق شامير في الفترة الثانية.

    وبرغم انتقاد حزب العمل لحرب لبنان، فإن التحالف لم يسفر عن شيء يُذكر بخصوص لبنان، بل عززت سلطات الاحتلال الإسرائيلية وطأتها إلى أن حرر الجنوب عام 2000، وإذا ما كان التاريخ دليلاً فإن التحالف الحالي كسابقه لن يقدم الكثير في إيجاد حل للقضية الفلسطينية، وليس هناك ما يجمع بين الخصمين اللدودين، غانتس ونتانياهو، إلا تأييدهم ضم الأراضي الفلسطينية حسب خطة ترامب للسلام.

    وفي مقالة في مجلة «الفورين بوليسي»، كتب ستيفن كوك مقالة عن تطبيع العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أي الانتقال من العلاقة الخاصة إلى علاقة طبيعية تحكم الدول فيما بينها. ويعتقد الكاتب أن الولايات المتحدة يجب أن لا تؤخذ بجريرة إسرائيل عند ضمها الأراضي الفلسطينية حسب الخطة الآنفة الذكر.

    ويقول إن واشنطن ليس بوسعها أن تفعل شيئاً لثلاثة أسباب: الأول أن إسرائيل لا تستطيع تلبية الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية للسلام؛ وثانياً، أن الفلسطينيين لا يستطيعون تلبية الحد الأدنى من المطالب الإسرائيلية؛ وثالثاً، أن الولايات المتحدة لا تمتلك الموارد والإرادة السياسية لتغير هذا الواقع. وكما يقول الكاتب، فإن المصالح الأمريكية في المنطقة بدأت في الانحسار، ولن تكترث كثيراً بالتطورات اللاحقة لهذا الوضع.

    ويتوقع الكاتب أن يظل الوضع الفلسطيني بائساً وتحت قبضة الاحتلال الإسرائيلي إلى ما شاء الله، وأن الوضع الفلسطيني سيكون مشابهاً لوضع الأكثرية السوداء في جنوب أفريقيا، وستكون البلدات والقرى الفلسطينية شبيهة بوضع «البانتوستانات» في جنوب أفريقيا تحت نظام الأبارتايد.

    وبرغم صحة بعض تحليلات الكاتب، فإنه يستلب كثيراً من إرادة الفلسطينيين، وإن الاحتلال ليس قدراً، ولا مصيراً حتمياً، ولم يستمر النظام العنصري في جنوب أفريقيا إلى ما لا نهاية، برغم أن جنوب أفريقيا كانت أقل اعتماداً على الخارج من إسرائيل.

    ولكن هناك في حالة نظام الأبارتايد يكمن حل القضية الفلسطينية، فكما حصل في جنوب أفريقيا سقطت مستعمرات البانتوستانات بفضل النضال الداخلي والمساندة الخارجية، ويمكن للفلسطينيين أن يتعلموا من التجربة لإنهاء الحالة الشبيهة، ونقول شبيهة وليست متماثلة، فوضع المستعمرين في الأراضي الفلسطينية ليس مثل وضع البيض في جنوب أفريقيا، فهناك ادعاءات تاريخية بالنسبة إلى اليهود مع أراضي فلسطين، والمشكلة أن هذه الادعاءات هي جزء من الوعي الجمعي المسيحي للغرب، ولا يمكن مجادلة الغرب، بل العالم، في أحقية اليهود باستيطان أرض فلسطين، ولكن يمكن تغيير مفردات النقاش إلى خطاب مختلف يطلب الحقوق المدنية للشعب الفلسطيني، ويمكن استلهام التجربة من حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، حين طالب الأقلية من أصول أفريقية بحقوقهم المدنية، خاصة فيما يتعلق بحقوق المواطنة الكاملة، ونجحت الحركة في إنهاء العزل العنصري بين البيض والسود، وأسّست حق التصويت للسود بعد مسيرات ونضال سلمي بقيادة القس مارتن لوثر كينغ.وعلى الفلسطينيين أن يستوعبوا هذه الدروس من هذه الحركات وما يتعلق بالمقاومة السلبية والعصيان المدني لإجبار إسرائيل على مراجعة الحلول التي يمكن قبولها، كما أن زيادة هذه الضغوط السياسية ستغيّر السجال داخل إسرائيل والقبول بحل عادل يكفل للفلسطينيين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

    ولا يقتصر العمل في الداخل الفلسطيني فحسب، بل يجب استنهاض المجتمعات المدنية في أفريقيا وآسيا وأمريكا وأوروبا، والعمل على زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على إسرائيل، كما حصل في جنوب أفريقيا إلى أن سقط نظام الأبارتايد، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

     

    * كاتب وأكاديمي

    طباعة Email