مهمة تحويل النفط إلى إبداع..

يستطيع الإنسان أن يكون كل شيء وأي شيء قد يفكر فيه أو يطمح إلى أن يكونه، وبجده وبإصراره يحقق ما حلم به وما يريد أن يكونه، حتى لو كان ذلك ضرباً من المستحيل. ويبدو لي أن هذه قمة العظمة ودليل قوة الإرادة، ولكن هل يكون الإنسان حينها كامل السعادة؟

ربما لكن الأكيد أن تحقيق الذات وأن يكون الإنسان ذاته فقط هي أعلى مراتب النجاح لأن المرء حينها سيكون قد رسم طريقته ودربه الذي بالضرورة سيأتي من يتبعه ويقلده فيه، وبغض النظر عن التخصص فإن المبدع لا ترسم له دروب فهو عجينة نفسه التي عجنتها تراكمات المعرفة في ذهنه وبالنظر بإمعان إلى مكوناته سنجد أن ثلثيه مكون من غير ذاته وإن أردنا أن نعرفه فعلينا تأمل ذلك الماضي الممتد فيه وذلك الحاضر الذي يعيش فيه وذلك المستقبل الذي تسرب إليه.

إنه حالة فريدة من نوعها فهو صدى الأمة وتعبير عنها لإن الإبداع ليس فقط أن نصنع شيئاً من لا شيء بل هو احتواء نتاج كل مبدع في مجمله على تفاصيل أمته بخيرها وشرها بصراعاتها وسلامها بأمنها وخوفها بحبها وكرهها بأزماتها واستقرارها.

لقد تحول العالم بأسره نحو اقتصاد جديد يقوم على المعرفة واستطاعت أزمة كورونا أن تعزز أكثر من هذا التحول وقد استوعبت الدول التي تعتمد على النفط ومشتقاته في اقتصادها بنسبة كبيرة هذا التحول ولكن مظاهره يجب أن تتضح أكثر وخصوصاً حين نريد أن نفلح ونبدع في هذا النوع من الاقتصاد الذي يعد صمام أمان مناسب أمام معطيات التكنولوجيا التي قد تحول الإنسان إلى مجرد شيء كباقي الأشياء وخصوصاً حين تقوم بتجريده من كل وظائفه التي يتخصص فيها وتتطلب منه تخصصات ملائمة لها وإلا فإنه سيمسي عاطلاً عن الحياة يفتقر إلى أبسط متطلبات الوعي والاستيعاب لما حوله ناهيك عن الانخراط في العمل في سياقه، ومن هنا فإن الحاجة ملحة للمضي في الطريق الآخر الذي يوفره اقتصاد المعرفة أي طريق آخر غير التخصص في التكنولوجيا التي تتطور في كل لحظة وذلك بتنمية المعرفة الإنسانية والمواهب والإبداعات في كل المجالات أي سيكون علينا أن نستخدم النفط وعوائده ونعيد تدويرها في عملية تنمية الإبداع والمواهب التي نملكها على الأقل حتى يتضح لنا الطريق جيداً في سياقات اقتصاد المعرفة وحتى نكون جاهزين لمواكبة كل المتغيرات اللاحقة ويستطيع اقتصادنا أن يقف على قدميه مستغنياً عن النفط ومخرجاته.

إن هذه الفرصة التي نعيشها هي أعظم الفرص التي قد وهبها لنا عصرنا لاستعادة ماضي أجدادنا المعرفي ونحيي تلك العصور المعرفية الذهبية التي عاشها العرب في فترات زمنية كان الازدهار فيها أهم سماتها والمسؤولية في ذلك ليست مسؤولية جهة بعينها بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد ذاته ثم أسرته وذويه ثم مدرسته وجامعته أو المؤسسة التي ينتمي إليها مروراً بالمؤسسات الأخرى أهلية وحكومية.

عندما نصل إلى تلك المرحلة الإبداعية والمعرفية ونبهر العالم بإنجازاتنا العلمية والمعرفية سيفتخر كل إنسان بأنه عربي وليس ذلك فقط بل سيفتخر أكثر منه ممن لا ينتمي لبلاد العروبة ولكنه زار يوماً قطراً عربياً.

إن المعرفة واكتشاف المبدعين هما آخر معقل للعرب يتخندقون فيه لأن كل شيء زائل حتماً وبرأيي بدلاً من التفرغ للصراعات ينبغي بالضرورة التفرغ للإبداع والمعرفة واكتشاف المبدعين. وللحديث بقية.

* خبيرة الاقتصاد المعرفي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات