72 عاماً على النكبة

طرقنا الباب فإذا بامرأة مسنة تفتح لنا، ألقينا التحية وكان الوقت صباحاً، ردت بمثلها ودون أن تسألنا من نحن وماذا نريد؟ قالت: تفضلوا.. أنتم أصحاب البيت الذي رحلتم منه قبل أربعين سنة. دخلنا ورحنا نستذكر أمكنة طفولتنا، أين كنا نأكل، وأين كنا ننام أنا وإخوتي الخمسة، قدمت المرأة لنا الشاي، تنهدت وقالت بلهجة عراقية: ليتنا لم نغادر بغداد، ليتنا بقينا في بلدنا، لقد غرروا بنا وقالوا هذا وطنكم الموعود. لكنهم استعبدونا ولم نجد هنا سوى التعب والحسرة على تركنا العراق. ورغم هذه السنين لم نشعر يوماً بأنه بيتنا. إنه بيتكم ولكن.....

وماذا فعلتم؟ سألت عمي الذي ذهب لـ «زيارة» بيت أبيه وجده في الجماسين إحدى قرى يافا التي دمروا أغلب بيوتها وابتلعتها تل أبيب. قال وقد اغرورقت عيناه بالدموع: لا شيء.... غادرنا بيتنا. كانت «الزيارة» بعد ثلاثين سنة من الخامس من يونيو حزيران 1967 حين احتلت ما أصبحت تسمى «إسرائيل» بقية فلسطين وصار بإمكان الفلسطينيين اللاجئين زيارة بيوتهم وقراهم ومدنهم بتصريح من المحتل. وبعد ستون سنة من الاحتلال الأول في 15 مايو /‏ أيار 1948 في هذا الأيار 2020 يكون قد مضى اثنان وسبعون أياراً ولم يزل المحتل محتلاً واللاجئ لاجئاً. لكن فلسطين بقيت لدى الأبناء والأحفاد فلسطين.

يافا، التي تغير اسمها عبر التاريخ القديم، ظلت تعني المدينة الجميلة. وأقدم اسم لها جاء باللغة الهيروغليفية حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد خلال عهد تحتمس الثالث حيث ورد اسمها ( يوبا - يبو )، كما ورد في بردية مصرية ( بردية أنستاري الأول القرن 13 ق.م) وتصف جمال المدينة الخلاب، ثم ورد اسمها ضمن المدن التي استولى عليها سنحاريب الأشوري في حملته 701 ق.م، ya ap pu )، كما ورد في نقوش أشمونازار ملك صيدا بعدما منحه إياها ملك الفرس مكافأة له، وفي العهد الهيلنستي ورد تحت اسم يوبا، وذكرت بعض الأساطير اليونانية القديمة أن التسمية مشتقة من ( يوبي ) بنت إله الريح عند الرومان التي كانت فائقة الجمال.

لهذا السبب ولأنها كانت تتمتع بموقعها كمركز حضاري في حينه اختارها آباء الحركة الصهيونية عاصمة لهم وأقاموا على جزء منها وقراها الملتصقة بها وريفها تل الربيع وسموها تل أبيب يافا.

يقول المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه «التطهير العرقي في فلسطين» إن يافا كانت آخر مدينة فلسطينية يجري احتلالها، وذلك في 13 أيار/‏ مايو 1948 قبل يومين من انتهاء الانتداب البريطاني؛ وكان لدى الفلسطينيين في يافا قوة دفاعية أكثر مما كان لديهم في أي موقع آخر، 1500 متطوع مقابل 5000 عنصر يهودي (من العصابات الصهيونية)، وقد صمدت المدينة ثلاثة أسابيع في وجه الحصار والهجوم الذي بدأ وسط نيسان/‏ أبريل وانتهى في أواسط أيار/‏ مايو.. ويورد بابيه أنه عندما سقطت يافا، طُرد جميع سكانها البالغ عددهم 50 ألف نسمة – حسب وصفه فيما تذكر مصادر أخرى أن عددهم كان 90 ألف نسمة - بمساعدة بريطانية، الأمر الذي يعني أن «هروبهم» أقل فوضوية مما كان عليه «الهروب» في حالة حيفا، ومع ذلك لم يخل الأمر من مشاهد مروعة، تذكر بما حدث في حيفا حرفياً، حيث يُدفع مواطنون إلى البحر أثناء محاولة حشرهم في قوارب الصيد الصغيرة التي كانت ستقلهم إلى غزة، بينما كانت العصابات الصهيونية تطلق النار فوق رؤوسهم.

في كتابه «دمٌ على حجر- حامية يافا وفعلها العسكري»، الذي صدر حديثاً عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات»، يحاول الباحث الفلسطيني بلال شلش، إزالة التراب عن أيام مقاومة مدينة يافا وفعل مقاوميها، الذي دفن تحت أنقاض أحياء المنشية وأبو كبير وتل الريش وجبهات المدينة المختلفة، بعد أن أُسدل عليها ستار الهزيمة والنكبة حيث قاومت حتى النهاية، وشهدت معارك سقط خلالها مئات الشهداء الفلسطينيين ومئات القتلى من صفوف العدو وكانت آخر المدن الفلسطينية التي سقطت.

ويستخلص الباحث شلش في مقابلة مع موقع «عربي 48» أنه برغم الفجوة التسليحية لصالح المنظمات الصهيونية، إلا أن التوازن على الأرض كان محتملاً حتى دخول سلاح الصفقة التشيكية، وكانت المعارك في يافا كر وفر حتى نهاية نيسان/‏ أبريل ومطلع أيار/‏ مايو، يمكن القول إن المدينة لم تسقط بالمعنى العسكري، كما يستدل من التوازن الذي كان قائماً في الهجمات والخسائر البشرية المتبادلة، والتي أحصيناها بالأرقام والأيام استناداً لسجلات الحامية اليومية والمصادر الصهيونية والعربية الأخرى، بل إن تفكك الحامية و«حاميات» أخرى بفعل جملة من الأسباب الذاتية والمرتبطة بالجبهات الأخرى، هو الذي وفر النصر للصهاينة في يافا وفي عموم فلسطين.

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات