فاتورة الجائحة

ظهرت أولى حالات الإصابة بفيروس «كورونا» في مدينة ووهان الصناعية بوسط الصين. ولكن الشائع أن السلطات الصينية تكتمت على الحادثة، إلى أن استحال عليها ذلك، بعد أن تسلل الفيروس لنحو عشرين دولة ومنطقة بالجوارين القريب والبعيد. وحين انتشر المرض وتحول إلى وباء، أسمته منظمة الصحة العالمية «كوفيد 19»، بهدف تمييزه عن بقية الأمراض التي تنتسب إلى فصيلة «كورونا» المعروفة من قبل.

بهذه المعطيات، وقف الخلق جميعاً على مسقط رأس الفيروس اللعين وعرفوا اسمه ومواصفاته وأفاعيله السوداء، وقاموا على مدار اللحظة بالتأسف على ضحاياه، وتحري سبل الاحتراز منه وإبداع اللقاحات الكفيلة بالقضاء عليه في سائر أنحاء المعمورة، بيد أن جهة ما لم تتيقن حتى الساعة من هوية الأب الشرعي لهذا المولود الشرس، وما إن كان قد انبعث عن طفرة طبيعية، أم تبلور عن خطأ بشري علمي معملي، أم تم تخليقه واصطناعه بكل شروره بفعل فاعل من شياطين الإنس عن سابق إعداد وتخطيط؟ الاستغراق الكامل للبشرية في مصارعة الفيروس وتحجيم آثاره وتقليل عدد ضحاياه ومحاولة الانتصار عليه، ربما ساهم في صرف الانتباه نسبياً بعيداً عن هذا السؤال، غير أن ذلك لن يستمر إلى ما لا نهاية، ونحسب أن معرفة الفاعل الحقيقي سيفرض ذاته وسيحضر بقوة على الأجندة العالمية طال الزمن أو قصر.

إرهاصات التعامل مع هذا السؤال أطلت، وأن بحيثية أقرب إلى التحفظ والاستحياء، في غير مناسبة، وقد سيقت في معظمها مغلفة بنظرية المؤامرة، فبعد شهر من تفشي الفيروس، أوردت صحيفة واشنطن تايمز الأمريكية أن الوباء متعمد وأن «معهد ووهان لعلم الفيروسات هو من طور هذا السلاح الحيوي لمهاجمة أهداف خارجية، وذلك طبقاً لمعلومات سربها ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الصينية». في التوقيت ذاته تقريباً، ذكر تقرير لصحيفة ديلي ميل البريطانية أن «مصادر روسية أشارت إلى مسؤولية الولايات المتحدة عن انتشار الوباء في الصين».

التراشق الأمريكي الصيني بشأن المصدر الحقيقي للفيروس، أخذ منحى مباشراً وأكثر جدية حين نسب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفيروس مرة إلى الصين ومرة أخرى إلى مدينة ووهان.. وكذا حين ألمح متنفذون وصحافيون ومعلقون أمريكيون إلى ما مؤداه أن «طبيعة النظام الصيني المغلق، وإخفاء البيانات حول الوباء، تقع في مقدمة أسباب اختراقه للحدود والحيلولة دون التعجيل بإجراءات الاحتياط منه في الخارج».

وفي خطوة أكثر تحدياً لبكين، أشارت تسريبات في واشنطن إلى أن «لدى وزارة الخارجية الأمريكية تقارير مرسلة من سفارتها في بكين، تعود إلى يناير 2018 ومصنفة تحت بند حساس للغاية، تتحدث عن عدم كفاية إجراءات السلامة في مختبر معهد ووهان للفيروسات».

وليس يخفى أن الأحاديث والتقولات الأمريكية من هذا القبيل، تكاد ترقى إلى وضع المسؤولية عن الجائحة برمتها على عاتق الصين، الأمر الذي أغضب بكين وجعلها تحتج رسمياً وتبادر بطرد صحفيين أمريكيين، وصولاً إلى البوح بمعلومات موجزها أن «الجيش الأمريكي هو الذي بث الفيروس في ووهان».

بناء على هذا التلاوم، يصح اعتقاد البعض بأن الوباء أدى إلى تفاقم التوتر، القائم مسبقاً على منافسات اقتصادية، وأحاله إلى ما يشبه الحرب التقنية الباردة، بين القطبين الأمريكي والصيني.

والحق أن بواكير التعرف على الوباء، ولاسيما في مرحلة احتداده في الصين، شهدت تناظراً في بعض الأوساط المعنية بمشهد النظام الدولي ومستقبله، تم فيه التركيز على فرضية احتمال ضلوع القطب الأمريكي في المبادرة بمثل هذه الحرب، بغية تعجيز الريادة الصينية الصاعدة دولياً. لكن أصوات أدعياء هذا التصور اختفت لاحقاً، بعد أن أضحت الولايات المتحدة ذاتها على رأس قائمة المتضررين من عواقب الوباء.

الشاهد في كل حال، أن العالم بقضه وقضيضه بصدد أزمة عاصفة، ألحقت به خسائر فادحة من الأنفس والثمرات. ونحسب أن الاجتهادات القائمة على أشدها لمعالجة هذه الأزمة، تتوازى وتتزامن مع الاهتمام سراً وعلانية بالبحث عن الجهة المسؤولة عن هذه الخسائر.

وإذا ما تم العثور على هذه الجهة، فالأرجح عندئذٍ أن تدفع فاتورة ثقيلة من رصيد صورتها النمطية، هذا إن لم تستطرد المطالبات وعمليات المحاسبة إلى استحقاقات اقتصادية وسياسية وقانونية لا تقل ثقلاً.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات