نحو نظام عالمي بملامح أكثر إنسانية

الحروب التي خاضتها الدول عبر التاريخ لم تكتفِ بتصفية ما كان قائماً من خلافات بين فرقائها، بل أرست أطراً جديدة لإدارتها واحتوائها، فبعد كل حرب كبيرة، سواء بعدد الدول المشاركة بها أو حجم الخسائر المادية والبشرية التي تمخضت عنها أو الفترة الزمنية التي استغرقتها، برز نظام إقليمي أو عالمي أرسى أوضاع ما بعدها على أسس جديدة.

«صلح ويستفاليا» عام 1648 اصطلح على تسمية اتفاقيتي إنهاء حربين طويلتين في أوروبا لا مجال للخوض في التفاصيل التي تتعلق بهما، أرسى لأول مرة قواعد نظام إقليمي في القارة الأوروبية يكرس حق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض التدخل في شؤونها الخاصة واحترام استقلال دولها.

إلا أن الطموحات لم تتوقف عند ذاك بل تجاوزته إلى صياغة نظام تجاوز القارة الأوروبية ليشمل العالم أجمع بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، حين تأسست «عصبة الأمم» ثم بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الحاجة لتأسيس منظمة أكثر تطوراً وهي منظمة «الأمم المتحدة» والإعلان عن ميثاقها وصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وانبثاق المنظمات المتخصصة التابعة لها التي تعنى بجميع النشاطات التي تمارس في جميع الدول ابتداء بالنشاطات الثقافية وليس انتهاء بالأنشطة الصحية.

الحرب الحالية التي يخوضها كل فرد في كل بيت في كل بلد ضد الجائحة «كورونا» هي حرب عالمية حقيقية بل أكثر عالمية من أية حرب سبقتها، حرب تخوضها جميع شعوب العالم بمستويات مختلفة ضد عدو مدمر للجميع أفرزته الفجوات والعيوب في النظام العالمي القائم وليس غيرها.

فالتداخل والتشابك بين الأمم والشعوب الذي تضاعف بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة لم يصاحبه شفافية وتعاون يسمح بتوظيف ما هو إيجابي على أفضل وجه، فوباء من طراز «كورونا» ليس بقدرة دولة واحدة مهما بلغت قدراتها على التصدي له.

هناك مقولة ترد بشكل متواتر في كتابات عديدة ومن ضمنها كتاباتي وهي أن «عالم ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبله»، مقولة تطرح التساؤل حول من بقدرته فرض ملامح جديدة على النظام العالمي القائم، فمن فرض ملامحه في أكتوبر 1945 هو من انتصر بقدراته العسكرية، فهل يمتلك المنتصر في الحرب على جائحة «كورونا» من قدرات ليفرضها على صانعي القرار السياسي على المستوى الدولي وهي الدول العظمى؟

سؤال يصعب الإجابة عنه، فهذه الحرب ذات طبيعة مختلفة تماماً عن سابقاتها، فهي لم تجرد القوى العظمى من قدراتها العسكرية ولم تلزمها بتوقيع وثائق استسلام أو الالتزام بشروط هدنة فرضها المنتصر كما حصل في الحربين العالميتين اللتين أشرنا إليهما، كما أن من المستبعد أن تؤثر على قدراتها الاقتصادية في المستقبل المنظور.

إلا أن ما هو متوقع في ضوء تداعيات الوضع ما بعد جائحة «كورونا» هو ما يتخذ من مواقف، سياسية أو غيرها، في ضوء تقييم تجربة الحرب مع هذه الجائحة والتعرف على قصتها بشفافية وبكل التفاصيل التي تتضمن الإجابة عن أسئلة خطيرة بعيداً عن التسييس تتعلق بمصدر الفيروس وهل نشأ بشكل طبيعي أم أن هناك أدمغة صنعته؟ وأين ظهر وانتشر لأول مرة؟ ومتى كان ذلك؟

وهل كانت هناك تغطية متعمدة على انتشاره؟ أو هناك تأخر في الإعلان عن ذلك؟ وهل كانت المنظمات الصحية الدولية التي تعنى بالتعامل مع ذلك في مستوى مسؤولياتها؟

وأسئلة أخرى كثيرة تتعلق بمدى إقرار هذه الدولة أو تلك بالمسؤولية ومدى الاستعداد على مواجهة تبعات ذلك. فالحرب العالمية على هذه الجائحة نقلت الصراعات العالمية، أجندة وتفاصيل، إلى آفاق جديدة تعيد من غير شك رسم العلاقات الدولية بطرائق تؤثر اقتصادياً وسياسياً على معالم النظام العالمي.

النظام العالمي القائم لا يسمح بشكل فعال بالاستفادة من الموارد البشرية المتوافرة لتحسين ظروف الحياة على سطح هذا الكوكب ومنع تعكير صفوها، فهناك قدرات علمية كبيرة جداً لدى دول عديدة في مختلف أرجاء العالم في مجال البحوث الوبائية المختلفة .

ولكن هذه القدرات أسيرة القرار السياسي الذي لا يسمح بتوفير ما يسمح بتوظيفها لخدمة عموم البشرية، فما يرصد من أموال للبحوث في المجالات التي تتعلق بالصحة العامة وتحسين الظروف البيئية لا يرقى إلى مستوى الحاجة الحقيقية لذلك، وها نحن نشهد برهاناً مريراً جداً على صحة ذلك.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات