«كورونا» وتغيّراته المستجدة

بدأ رمضان وبدأت معه البرامج التلفزيونية، ولعل أبرز ما تغيّر هذا العام، هو ما أملته علينا جائحة كورونا، التي أجلستنا في البيت وصعّبت من مهمة العمل الاعتيادية، وهذا ما واجهه صناع البرامج التلفزيونية أيضاً، ولكن من يتابع هذه البرامج يجد تغييراً كبيراً في نمطها وأسلوب تقديمها، فأصبح الاتصال بالفيديو مستخدماً بكثرة، حتى في برامج المسابقات لم يعد المتصل للمشاركة يكتفي بالاتصال الصوتي بل يمكنه الاتصال المرئي أيضاً، ليس هذا فقط بل أصبحت الفقرات الموسيقية متاحة عن بعد، فكل عازف يجلس في مكان لتجمعهم التقنية في لوحة فنية جميلة، هذا ما غيره كورونا رغم أن التقنية، وأقصد تقنية الاتصال بالفيديو موجودة منذ زمن إلا أننا أدركنا اليوم مدى فعاليتها في مثل هذه الأمور.

من يتابع أخبار الشركات والوزارات سيجد التغيير كبيراً جداً، فقد أصبحت الاجتماعات عن بعد، الاجتماعات من المنزل، جولات افتراضية لمتابعة سير العمل، العمل نفسه أصبح من المنزل، رغم أن برامج الاجتماعات عن بعد كانت موجودة من قبل، إلا أننا أضعنا الكثير من الوقت ونحن نتنقل من مكان لآخر لحضور اجتماع، وفي ذات السياق كان بعض المدراء يحاسبون موظفيهم على بصمة الحضور أكثر من بصمة الإنتاجية، فما الذي تغيّر؟، هل قبولنا للتعامل مع هذه الجائحة غيّر عقولنا للأفضل، أم هي مجرد رضوخ للأوضاع الراهنة لحين انتهائها وبعدها سنعود لسابق عهدنا؟،

من وجهة نظري عندها ستكون الطامة وأثرها أكبر من هذه الجائحة.

منذ سنوات ومعظم حكومات العالم تخصص ساعة للأرض، ويوماً بلا مركبات لتقلل من نسبة التلوث، وقلة قليلة ممن يهتمون بمثل هذه المبادرات، واليوم أصبح من التميّز أننا نستخدم وسائل النقل الجماعي أو حتى نستخدم الدراجة الهوائية فقط بغرض الخروج من الحجر الذي نحن فيه، فلماذا أصبح الأمر سهلاً وبسيطاً بل وممتعاً؟ السبب أننا تعوَدنا على السهل فلماذا نفعل الصعب حتى وإن كنا سنواجه الأصعب إذا ما ثارت هذه البيئة علينا فنحن لم نعطها يوماً ولا حتى ساعة من حسن التعامل.

ربما أزمة كورونا جاءت لنعيد تفكيرنا بالعديد من الأمور، جاءت كفرصة لتوخي الحذر مما هو قادم ومنعاً لمصائب أكبر، فها هي الأرض تتنفس من جديد وتعيد ترتيب أوراقها البيئية، وها هي التجربة أصبحت أكبر برهان أن العمل عن بعد له فوائد كثيرة ربما تسهل علينا بعض الأمور في المستقبل وتجعل منا أكثر مرونة وأكثر إنتاجية، وها هي المعطيات تغيرت لنرى محتوى ومستوى أفضل وأبسط في برامجنا التلفزيونية ويتاح مشاركة المواهب من كل أنحاء العالم في عروض عن بعد تعيد تشكل خارطة الإبداع في عالمنا.

يقال إن الدروس كثيرة في هذه الحياة والناجح من يتعلم من هذه الدروس ولا يجعلها تمر مرور الكرام دون أن يحسن من حياته وطريقة معيشته، واليوم نحن في اختبار على المستوى الشخصي والحكومي والمؤسسي، فعلى المستوى الشخصي ربما تكون الدروس بسيطة في كيفية المحافظة على النظافة الشخصية وكيف نحافظ على صحتنا وطريقة معيشتنا وبأن أغلبنا كان يعيش اللحظة دون أن يفكر كيف يحمي نفسه من عثرات الزمن فلم يفكر بالادخار الذي يجنبه عواقب وخيمة مع مثل هذه الأزمات، وفي جانب آخر ربما تعلمنا درساً قاسياً بأن خطأ صغيراً ربما يدمر ويهدم حياتنا، ولعل هذه التجربة تعيد النظر ببعض التصرفات المستهترة.

على المستوى الشخصي أيضاً، تعلمنا الكثير من الدروس ولكل شخص تجربته ودرسه الخاص، أما على المستوى المؤسسي فالدروس كثيرة وكبيرة، فالحمد لله أن الاستثمارات الكبيرة التي عملت عليها حكومتنا من الاستثمار بالمستقبل واستشراف علومه، وبناء البنية المؤسسية القائمة على التكنولوجيا ومنظومة الاتصالات الحديثة عملت على تسهيل حياتنا وجعلت مؤسساتنا تقدم خدماتها الإلكترونية بشكل بسيط ويسير، وهذا درس آخر في أن مناشدة التطور ليس رفاهية ولا هو ضربٌ من الخيال، إنما هو واقع سنحتاجه عاجلاً ليس آجلاً.

أزمة كورونا لها تغييراتها الملحوظة على سلوكياتنا، وعلى أسلوب حياتنا وتقدم لنا كل يوم فرصة لأن نكون أفضل بعد انتهاء الأزمة، والشاطر من يتعلم ليصبح أقوى، وينشد الإيجابية حتى في وقت الأزمات، وينظر للحياة بأسلوب مغاير، يرى في هذا التغيير ظرفاً سيزول، تجربة وتعدي، درساً نأخذ منه العبرة، والأهم أن نتابع ما يمكننا فعله بأبسط الوسائل، فأبسط الأشياء أنجحها، ولدينا تكنولوجيا رهيبة تمكننا من خلق عوالم مبدعة تناسب كل مكان وزمان.

قالوا الأزمة بدأت بفرصة، ونقول الأزمة ستنتهي بفرصة لمن تعلم منها وخرج أقوى مما كان عليه قبل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات