أخلاقيات التعلّم والعمل عن بُعد

يفرض نمط التعلم والعمل عن بعد، شأنه شأن النمط التقليدي، مجموعة من القيم والأخلاقيات التي لا بد من التزامها سعياً نحو تحقيق الغايات الإنسانية المنشودة من ورائهما بكل أبعادها، ويعد انتهاكها تصرفاً لا أخلاقياً له مغبات وعواقب قد يتجاوز ضررها الحدود المتخيلة وإلى أبعد حد.

ولا بد لتحقيق المستوى المنشود من الفهم لتلك الأخلاقيات التطبيقية لنمط التعلم والعمل عن بعد من أن نسير في مساق الحديث عنها بمحاذاة لمساق النمط التقليدي أولاً، ثم إضافة ما هو خاص بنمط التعلم والعمل عن بعد وتحديده بشكل مستقل، فالأشياء تتبين بأضدادها.

يشير معنى أخلاقيات التعلم والعمل إلى مجموعة من المعايير الأخلاقية التي يجب الالتزام بها في كلا المؤسستين التعليمية والعملية والمنتسبين إليهما معلماً وطالباً وكل صاحب مهنة أو وظيفة، ويعد انتهاك هذه المعايير تصرفاً لا أخلاقياً.

تلك الأخلاقيات للتعلم والعمل تعني تلك القيم التي تعتمد على مُثل الفرد العليا من أجل الانضباط والتعلم والعمل الجادين، ما يعني أن على الفرد التدرب على اتباع هذه القيم لتحقيق تلك الغاية، والأمر سيان في كلا النمطين التقليدي أو عن بعد، ويتحقق تدريب الفرد لذاته على تلك الأخلاقيات من خلال بناء العادات وتنفيذها ثم المثابرة بالالتزام والتركيز عليها.

وتظهر علامات اكتساب الفرد أخلاقيات التعلم والعمل في انضباطه بأوقات الدوام المفترض للتعلم أو العمل على الواقع أو عن بعد، إذ إن الالتزام بالوقت المحدد يعد علامة مهمة في سباق الأخلاقيات التطبيقية للعلم والعمل ثم يكون إنجاز الفروض والواجبات المطلوبة علامة أخرى من علامات الالتزام بالأخلاقيات المكتسبة سواء كانت تلك الواجبات والفروض سهلة أو صعبة، كما نستطيع تمييز أثر أخلاق العلم أو العمل في الفرد من خلال علامة عدم الشكوى والتذمر من الفروض والواجبات الموكلة إليه وكذلك تظهر تلك الأخلاقيات من خلال علامة المحاولة قدر المستطاع من التعلم أو العمل ضمن أصعب الظروف ورغم ذلك يمكن تجاوز هذه العلامة والتساهل في أمرها في حالات المرض الشديد، لتكون من ثم العلامة الأخيرة متجسدة في تنفيذ المطلوب من المتعلم أو كل صاحب مهنة أو وظيفة وإنجازه الفروض المطلوبة منه بطريقة جيدة وفي الوقت المحدد لها.

وفي السياقات المختلفة لهذه الأخلاقيات والخاصة بنمط التعلم والعمل عن بعد والتي تفرضها طبيعته الافتراضية نجد أنها ترسم ثلاثة مسارات وهي الحرية والمسؤولية والالتزام، وهذه المسارات الثلاثة مترابطة مع بعضها البعض بشكل متين إن افترضنا أنها قد تصبح فاعلة من دون الأخرى فهذا مما قد نخطئ فيه، فالحرية قد تكون مصحوبة بالفوضوية وبالكذب والغش والتسيب والتعدي على حريات الآخرين وغير ذلك ولكنها إن قرنت بالمسؤولية فإنها تكون في وضع أخلاقي مثالي وإن ارتبطت بالمسؤولية والالتزام فإنها تصبح أكثر فعالية ومثالية وهذا أهم متطلب قد يفرضه نمط التعلم أو العمل عن بعد، ولنسوق مثالاً على أهمية هذه المسارات الثلاثة المترابطة في نمط التعلم أو العمل عن بعد، حيث قد نجد فرداً يستغل هذا السقف العالي من الحرية في الاستعانة بأحد أقاربه للقيام بالفروض والواجبات الموكلة إليه بدلاً عنه فتكون المسؤولية الأخلاقية التي تدرب عليها ويشعر بها تجاه عمله مانعة له من فعل ذلك وإن أراد أن يتغيب عن وقت إنجاز العمل أو إنجاز فروضه يكون الالتزام الأخلاقي الذي تدرب عليه كأخلاقيات تعلم أو عمل مانعاً له في حدوث ذلك التغيب.

إن اجتماع تلك المسارات الثلاثة، الحرية والمسؤولية والالتزام، وتحققها في شخص المتعلم أو صاحب المهنة أو الوظيفة، يحقق المثالية الأخلاقية بشكلها المطلوب في نمط التعلم أو العمل عن بعد، وهذا ما يجب الحرص عليه، من خلال التدرب والانضباط والمداومة في الوقت الراهن.

وللحديث بقية.

 

 

طباعة Email