مرضى وليسوا مجرمين!

منذ أن بدأ فيروس «كورونا» في الانتشار بمعظم دول العالم ونحن نلاحظ حالةً غريبةً في التعامل مع مرضاه، فالبعض راح يتعامل معهم وكأنهم مجرمون، والبعض الآخر يزدريهم أو يتنمر عليهم.

وكأن حالهم هذا وليد إرادتهم، أو بمحض اختيارهم، في حين أن الحقيقة تقول إن هؤلاء مرضى لا ذنب لهم، وأن ما أصابهم ليس سوى مرضٌ خطيرٌ ينتشر بالعدوى.

وهذه العدوى تنتشر بسرعة جداً، صحيح أنه يجب عزلهم، ولكن يجب ألا ننسى الجانب الإنساني لهؤلاء المبتلين بهذا المرض، وأن نقف إلى جانبهم ونشجعهم على الخلاص من الفيروس والرجوع إلى حياتهم، فيكفيهم الآلام التي يتعرضون لها، فلا نريد أن نكون سبباً في معاناتهم النفسية.

الفيروس كان قد وصل لمعظم هؤلاء المصابين نتيجة إهمال في جانب معين من الجوانب، ونستثني من هؤلاء خط الدفاع الأول في مكافحة هذه الجائحة من أطباء بذلوا أنفسهم لحماية غيرهم.

وكذلك رجال الأمن الذين يبذلون قصارى جهدهم ومجهوداتهم لحماية الأرواح من عبث بعض المستهترين في التعامل مع هذه الأزمة، ونعود لصميم القول في من يهمل الحيطة وتوخي الحذر في التعامل مع هذه الحالة، فنقول إنه يجب علينا الاعتراف بأن فيروس «كورونا» سهل الانتقال وسريع الانتشار، لذلك يجب أن نعلم أن المصابين بالفيروس.

وعلى الرغم من عدم اتّباعهم الإجراءات الصحية، إلا أنه قد أصابهم وأنهم مرضى وليسوا مجرمين أو منبوذين، وعلينا أن ننظر إليهم كما تنظر لهم الفرق الطبية على أنهم مصابون يحتاجون لعناية فائقة لاستعادة صحتهم.

شاهدنا خلال الأيام الماضية العديد من التعليقات والمنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تنم عن عدم احترام للظروف الصحية التي يعاني منها هؤلاء المرضى.

وقد طالب البعض بعزلهم، ولا أقصد هنا العزل الصحي، إنما العزل بمعنى النفي، والبعض الذي طالب بتركهم ليواجهوا مصيرهم أو العمل بنظرية «مناعة القطيع»، وترك الفيروس يتفشى بين الناس ليخرج منه من هو قوي والضعيف يترك ليموت.

ولكن للأسف لم يدرك أصحاب هذه التعليقات والمنشورات أن هذا الفيروس لا يعرف حدوداً، ويمكن أن يصل للجميع، فلا داعي لمثل هذه التعليقات أو المطالبات. ولنظهر تعاطفنا ونقدم كافة أشكال الدعم إن استطعنا ذلك، فالقاعدة الأولى لمكافحة الفيروس هو أن نعمل سوياً، وأن نقف بجانب بعضنا البعض في هذه المحنة، خاصة إذا ما تابعنا تصريحات قياداتنا الكريمة ونداءها المستمر بحماية الأرواح بالذات كبار المواطنين لأنهم غوالٍ وبركة هذه البقعة التي نعيش عليها.

على كلٍّ يجب أن أشير إلى أنني في حديثي السابق لا أقصد عدم محاسبة من خالفوا الحجر الصحي، وتسببوا بنقل العدوى لأشخاص أصحاء، فهؤلاء مجرمون تسببوا بضرر للمجتمع وعرضوا حياة الآخرين للخطر، ولكن حديثي كان عمّن كان ملتزماً بالتعليمات إلى حد ما ولم يقصد أو يتعمد نقل الفيروس لغيره، إما لجهله بالمرض، وإما لعدم ظهور أعراض واضحة، أو حتى للمصابين من الكوادر الطبية والذين عرضوا حياتهم للخطر لتقديم الدعم الصحي لغيرهم من المصابين، فهؤلاء سيبقون مرضى وضحية فيروس سريع الانتشار قد ينهي حياتهم، أو يسبب لهم معاناةً كبيرةً.

إن من النقاط الإيجابية التي ظهرت في هذه المرحلة؛ مرحلة مواجهة فيروس «كورونا» هي التشاركية والعمل المشترك والتضامن الاجتماعي بين العديد من شعوب العالم، وهؤلاء المصابون هم جزء من مجتمعاتنا بصرف النظر عن أصولهم أو منابتهم، وبصرف النظر أيضاً عن كيفية وصول الفيروس لهم.

ومثلما كانت وقفتنا خلف الكوادر الطبية باعتبارهم خط الدفاع الأول وجب أن نقف خلف المرضى باعتبارهم أسرى تحت وطأة هذا الفيروس، وعلينا دعمهم لنحررهم من الفيروس اللعين ونعيدهم لمجتمعنا، ولعوائلهم الذين ينتظرونهم.

الحمد لله أننا في دولة الإمارات أمسكنا العصا من النصف، ووازنا بين الحزم في تطبيق الإجراءات، وبين الإنسانية في بواعثها ومعطياتها الكامنة في القلوب، بل عملت دولتنا لأبعد من ذلك في توفير كافة أشكال الدعم لهؤلاء المرضى، مهما كانت جنسياتهم أو أصولهم العرقية أو الدينية، لأن هذه المحنة محنة للإنسانية، ومن الإنسانية أن نكون منصفين وعادلين في تعاملنا مع هذا الطارئ.

وفي نهاية حديثنا نسأل الله أن يزيل عنا هذه الظروف الصعبة، وندعو الجميع بأن يظهروا إنسانيتهم تجاه مرضى فيروس «كورونا» بصرف النظر عن جنسياتهم، فظهور هذا الفيروس ليس ذنب أي شخص، وإنما هو طفرة طبيعية، لذا علينا أن نتكاتف لنخرج من هذه الأزمة، ونستعيد أسرى الإنسانية لدى فيروس «كورونا»، ونخلصهم من أسرهم وحجرهم وعزلهم ليستعيدوا حياتهم، ويعودوا لأحبائهم وأوطانهم.

*كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات