الاتحاد الأوروبي واختبار «كورونا»

حالة من الشك وعدم اليقين السياسي والاقتصادي، تسود دول الاتحاد الأوروبي على خلفية الفشل في معالجة فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19»، وشعور المواطن الأوروبي، لا سيّما في دول الجنوب مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، بعدم اكتراث ألمانيا وهولندا بخطة التحفيز الاقتصادية التي تصل لتريليون دولار، وهو ما دفع إيطاليا وإسبانيا لطلب المساعدة من روسيا والصين، فهل انتهت أنجح تجربة وحدوية في تاريخ البشرية؟ وما الأطراف التي تعجّل بإعلان وفاة الاتحاد؟

مشروع «مارشال»

من المبكر للغاية الحديث عن نهاية الاتحاد الأوروبي الذي بدأ تأسيسه منذ العام 1951، فلا يتصور أحد أن يفرط الأوروبيون باتفاقية «شينغن» التي تسمح بحرية تنقل الأفراد والبضائع والخدمات على حدود 27 دولة، كما تظل العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» نموذجاً للاندماج الاقتصادي والسياسي الذي لا يوجد له مثيل في العالم، وخلال سبعة عقود تراكمت لدى الأوروبيين خبرة تجاوز الخلافات والمشاكل، وصولاً لتنفيذ معاهدة ماستريخت عام 1993، والتي وضعت الشكل النهائي للاتحاد الأوروبي الحالي، وحقق الاتحاد الأوروبي كتكتل اقتصادي نجاحاً غير مسبوق في رفاهية ورخاء مواطنيه، وأصبح نموذجاً في الاقتصاد الحر والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن خروج بريطانيا من التكتل في 31 يناير الماضي، وعدم مساعدة إيطاليا وإسبانيا في أزمة «كورونا» يطرح ضرورة وجود «عقد اجتماعي» جديد بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدولة الوطنية الأوروبية، كما فرضت أزمة «كورونا» ضرورة وجود مشروع «مارشال» جديد ينقذ اقتصاديات الدول الـ27 من الركود القادم بعد أزمة «كورونا»، لكن هذا المشروع ينبغي أن يكون مشروعاً «عادلاً ومتوازناً»، لأنّ حكومات الدول الغنية في الاتحاد مثل هولندا وألمانيا تحت ضغط شعبي ومن الأحزاب اليمينية، فالمؤكد أنّ وراء الرفض الألماني والهولندي للرؤية الفرنسية والإيطالية لحزمة التحفيز المقترحة، ليس فقط البعد الاقتصادي والخوف على أموال دافعي الضرائب، لكن أيضاً الضغط السياسي قائم وبقوة في هذه القضية، فحزب البديل من أجل ألمانيا يستعد للانقضاض على الساحة السياسية وسط تراجع واضح لأكبر حزبين في ألمانيا.

دوافع سياسية

من يدقّق في دعوات التشكيك في الاتحاد الأوروبي، نجد أنها انطلقت من شخصيات لم تؤمن كثيراً بجدوى الاتحاد حتى قبل فيروس «كورونا»، فالمعروف أن الحكومة الحالية في إيطاليا تنتمي لحركة «الخمس نجوم» وكانت شريكة من قبل لحزب الليجا «رابطة الشمال» الذي يتزعمه وزير الداخلية السابق ماثيو سالفيني، وكلاهما ضد مؤسسات الاتحاد الأوروبي، كما أن الأحزاب الشعبوية واليمينية مثل حزب الحرية النمساوي، والتجمع الوطني الفرنسي، بزعامة مارين لوبن، والفجر الذهبي في اليونان، سيستغلون أزمة «كورونا» للتقليل من الاتحاد الأوروبي. نعم هناك تقصير وربما فشل، لكن هذا التقصير والفشل يحتاجان إلى إصلاح الخلل وليس هدم البيت الأوروبي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات