هل فرص «الزرفي» أفضل من سلفه «علاوي»؟

الأزمة السياسية في العراق تزداد انغلاقاً وتعقيداً، فهي لم تفقد سخونتها محلياً وإقليمياً رغم مرور سبعة عشر عاماً على بدئها، فالبلد ما زال بعيداً عن مرفأ الأمان، إلا أنها من جانب آخر دخلت طوراً جديداً مع استقالة عادل عبدالمهدي، في مؤشر على نهاية دور الصف الأول من السياسيين الذين جاؤوا مع التغيير في 2003.

المكلف الجديد بتشكيل الوزارة عدنان الزرفي ينتمي إلى الصف الثاني من السياسيين كما كان الحال مع المكلف الذي سبقه محمد توفيق علاوي الذي فشل في إمرار كابينته الوزارية في مجلس النواب. الزرفي رئيس كتلة النصر في المجلس النيابي التي يتزعمها الدكتور حيدر العبادي الذي لم يكن مرضياً عنه في الدوائر الإيرانية، وهو ما ينسحب على موقفها من الزرفي.

الكلمة المتلفزة التي ألقاها الزرفي عقب الإعلان عن تكليفه تكشف عن حجم ما تواجه مهمته من صعاب، وعن مدى قدرات أجهزة الدولة التي سيترأسها في حالة مروره في اختبار منح الثقة في مجلس النواب، فالعراق على شفا انهيار بنى مؤسساته الصحية المتهالكة أصلاً أمام انتشار وباء كورونا وعلى شفا انهيار قدراته الاقتصادية بعد الانخفاض الكبير بأسعار النفط.

فالطريق أمامه لن يكون سالكاً، فهو مرشح جدلي أمام الكتل البرلمانية، لأنه وفق تصنيفاتها أقرب انتماءً للتيار الليبرالي منه للتيار الإسلامي الذي رسم سمات مرحلة ما بعد التغيير، وهو ما يسبب ليس البعض بل الكثير من الالتباسات في حسابات الكتل السياسية الموالية لإيران التي بدأت تشعر باهتزازات قوية في الأرضيات التي تقف فوقها بعد أن حسمت شوارع وساحات المدن العراقية موقفها سيادياً في انتفاضة أكتوبر التي لا تزال قائمة.

تحاصر الزرفي طعونات دستورية تتعلق بشرعية تكليفه، وهي طعونات تطال في الوقت نفسه الرئيس برهم صالح، تختص بالتفسيرات الفقهية لفقرات المادة 76 في الدستور العراقي التي أتاحت إحداها للرئيس صالح إصدار قرار التكليف استجابة للاستحقاقات الزمنية المتاحة له وبعد الاستئناس برأي الجهات القانونية وفي مقدمتها المحكمة الاتحادية، على الرغم من أن مجلس القضاء الأعلى قد اعترض على ذلك لاحقاً.

فالرئيس بكل تأكيد على دراية تامة بمطبات العملية السياسية وحريص على ألا يتعثر بأحدها. قرار التكليف جاء بعد أن فشلت اللجنة السباعية التي تمثل القيادات الشيعية الرئيسية وبغياب الكتلة الصدرية في الاتفاق على مرشح بعد اجتماعات دامت أسبوعين.

وتحاصر الزرفي كذلك أجندة الميليشيات المسلحة التي فرضت ثوابتها على العملية السياسية، لأنه قد أعلن صراحة معاداته لها وعزمه على نزع أسلحتها، وهي مهمة ليست هينة، فهذه الميليشيات ومن يتحالف معها قد تغلغلت بعمق غائر في بنية الأجهزة الأمنية للدولة وعبرت بلهجات تهديدية خطيرة عن رفضها لتكليفه بتشكيل الوزارة في تناغم مع موقف القيادات السياسية التقليدية التي تقف خلفها.

الزرفي بموقفه الصريح من هذه القضية يعلن العداء لهذه القيادات التي بدأت قبضتها على الوضع القائم تتراخى منذ بدأت الخلافات بالتسارع في البيت الشيعي الذي يتعرض لانقسامات لم يشهدها من قبل، فإن كان تكليف محمد توفيق علاوي قد توافقت عليه كتلتا «سائرون والفتح»، الأكثر عدداً في المجلس النيابي فهذا لم يحدث في حالة الزرفي المرفوض من قبل تحالف الفتح ودولة القانون وكتل أخرى، ولكن بقبول غير معلن صراحة من كتلة «سائرون» الصدرية.

تكليف الزرفي قد أجّج حدة الصراعات داخل البيت الشيعي التي اتخذت منحاً جديداً مع تكليف سلفه علاوي، فنحن لا نفضي بأسرار حين نتحدث عن تصاعد الخلافات داخل هذا البيت، وعن التشظي في مواقف مكوناته التي بدأت تشعر بالمخاطر المحتمل قدومها على مصالحها، إذ لم يعد لهذا البيت موقف سياسي موحد منذ خسر حزب الدعوة موقع القيادة فيه مع انشقاق العبادي في 2014.

من السابق للأوان التكهن بمستقبل الزرفي وبمدى قدرته على تذليل الصعاب التي تقف أمام إمرار كابينته الوزارية في مجلس النواب، فالمتغيرات التي تتعلق بتقدير ذلك كثيرة ومتسارعة، وقبولها أو رفضها مطروحان باحتمالات متقاربة، وليس أمامنا سوى الانتظار بضعة أسابيع للتعرف على الإجابة عن السؤال الذي ورد في عنوان هذه المقالة.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات