فلسطينيو 48.. نقطة نظام

أسفر انتخاب المؤسسة النيابية الإسرائيلية (الكنيست) يوم الثاني من مارس الجاري، عن استحواذ قائمة قوى وأحزاب فلسطينيي 48 على 15 مقعداً، بنسبة 12.5% من مجموع الأعضاء. وهذا معدل للتمثيل النيابي لم يسبق أن تحقق لهذه الشريحة الفلسطينية، منذ وقوعها تحت سيطرة الدولة الصهيونية، جراء جولة القتال الدامي في فلسطين التاريخية عامي 1948 و1949.

حدثت هذه الطفرة النوعية بفعل تعامد عاملين رئيسيين: مستوى رفيع من التوافق والتنسيق بين النخب الفلسطينية، المنغمسة بالقول والفعل في العملية السياسية الإسرائيلية.

وارتفاع ملحوظ في نسبة المشاركين بالتصويت لدى القطاعات الشعبية الفلسطينية. ولا مبالغة في الادعاء بأن انحياز القطاعات الصهيونية اليهودية نحو مزيد من التطرف والعنصرية والتنمر ضد «عرب الدولة»، ربما فعل فعله في هذا الإطار.

على الجانب الصهيوني اليهودي لم يتمكن أي تكتل سياسي، موصوف جدلاً باليمين أو باليسار، من استقطاب عدد من النواب يتجاوز به إلى الأغلبية البسيطة المطلوبة لتشكيل الحكومة (60 +1).

ولو كنا بصدد نظام ديمقراطي حقيقي تتفاعل عمليته السياسية وفق مبدأ «دولة كل مواطنيها»، لصح اعتقاد البعض بأن القائمة العربية باتت تشكل قوة لا غنى عنها بالمطلق، لمن أراد من النخب الصهيونية تكوين حكومة مستقرة.

بالعودة قليلاً إلى الوراء، نلاحظ أن هذا الاعتقاد أو الافتراض ليس وليد نتائج الانتخابات الأخيرة.. فلطالما كان بوسع الأحزاب العربية، القيام بدور الميزان بين المتنافسين الصهاينة، حتى من قبل أن يرقى مجموع نوابهم إلى العدد الحالي شبه المثالي.

لكن هذه القفزة النوعية كانت بحاجة سابقاً، كما هو الحال راهناً، إلى شرط شارط، يتمثل في بنية دولة تتكافأ فيها فرص المواطنين ونوابهم كأسنان المشط؛ ولا تنحاز نظمها السياسية وغير السياسية أو تميل كل الميل لليهود..

على الصعيد النظري، نحسب أن فكرة القوة العربية المانعة، الراغبة في والقادرة على، فرض رؤاها وبرامجها على الكتل الصهيونية المتحرقة لبلوغ قمة السلطة التنفيذية، تبدو مغرية وذات مفعول سحري لدى أصحاب المنظورات الديمقراطية الليبرالية الحقة. بيد أن الفكرة ذاتها، تكاد في الواقع الإسرائيلي العملي أن تكون أقرب إلى اليوتوبيا المحلقة بعيداً عن أرض الواقع.

ذلك من ناحية، لأن الموصوفين في إسرائيل باليمينية أو التصقر، ليسوا البتة بوارد القبول بالتحالف مع قائمة عربية تشاطرهم الحكم وصناعة القرار في (دولتهم اليهودية).

بل انهم يرمون النخب والقوى المشتقة من أصحاب البلاد الأصليين بـ (الإرهابيين الذين يرتدون ربطات عنق). وفي غير إسرائيل يتم تقديم أصحاب هذه المقولة العنصرية البغيضة إلى المحاكم، ويطردون وينبذون من رحمة المجتمع والدولة ومن ساحات الممارسة السياسية.

من ناحية أخرى، فإن الأريحية لا تصل بالموصوفين باليسارية والحمائمية إلى مستوي الانفتاح اللامحدود على عرب الدولة وقائمتهم المظفرة. انهم بدورهم محكومون قسراً بالسقف الصهيوني الصلب. وليس للطامعين في مرونتهم التفاوضية بغير حساب مع قادة القائمة العربية، سوى السؤال عن الأسباب التي حالت دون الوصول إلى اتفاق أو توافق معهم، بعد الجولتين الانتخابيتين اللتين شهدهما العام الماضي؟

رب مجادل هنا بأن قادة القائمة أحدثوا هذه المرة اختراقاً غير مسبوق، حين أوصوا الرئيس الإسرائيلي بتكليف بني جانتس زعيم «اليساريين» بتشكيل الحكومة، بما يؤكد شراكتهم له ولكتلته.

والرأي أن هذه السابقة يجب أن لا تشغلنا عن تفاصيل الصيغة التي نهضت عليها هذه الشراكة «التكتيكية».. وخلاصتها «العمل سوياً لإسقاط عهد بنيامين نتنياهو». وعليه، لا يجب الذهاب بعيداً في التفاؤل بوقوع تحول فارق أو استراتيجي في نمط العلاقة بين القائمة العربية وبنيتها التحتية الشعبية وبين جانتس ورفاقه وبنيتهم الشعبية.

بمعنى أن كلاً من الطرفين سيبقى، في التحليل النهائي، أقرب إلى التمترس في خنادق قناعاته ورؤاه الفكرية الأيديولوجية والثقافية والسياسية. وغير ذلك مما يتصل بجوهر تاريخه وروايته وهويته الذاتية.

في كل حال، يمارس فلسطينيو 1948 بأطرهم السياسية نضالاً مريراً، لاستنقاذ ما يمكن استنقاذه من حقوقهم المدنية داخلياً وإسناد كفاح شعبهم الأم التحرري بالجوار، وذلك في سياق محددات ومعطيات بالغة التعقيد والحساسية. ولا ينبغي لأحد أن يحملهم فوق طاقتهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات