عرب الداخل يحسمون مستقبل نتانياهو

كلاهما جاء إلى حكم إسرائيل بخلفية عسكرية، اسحق رابين وبيني غانتس المكلف تشكيل الحكومة حالياً، لكن الأول وصل إلى الكرسي منهكاً من حروب إسرائيل ومن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أما الثاني «غانتس» فإنه يأتي من وضع إسرائيلي مريح، لكنه خطير على مستقبل إسرائيل أوصلها إليه بنيامين نتانياهو بتهوره وغروره، واعتماده على يمين اليمين الإسرائيلي من مستوطنين وتوراتيين ومدعماً بتأييد أمريكي غير مسبوق.

في المحطات الحاسمة ثمة من يتحكم في قطار المشروع الصهيوني، فقد تم إيقاف تهور نتانياهو وجيء بغانتس.

وبالعكس تم وقف إقدام رابين على السلام مع العرب، فتم اغتياله وسط تل أبيب على يد الإرهابي المتطرف ايغال عامير في الرابع من نوفمبر 1995 أثناء مهرجان تأييد للعملية السلمية.

الاغتيال جاء بعد أن بدأ رابين، رئيس حكومة، في مسار المفاوضات واتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية.

لم يكن رابين حمامة سلام، بل أحد كبار جنرالات الحرب في إسرائيل؛ فقد كان رئيس أركان الحرب في عدوان الخامس من يونيو العام 1967، كما كان وزير الحرب منذ العام 1984 وحتى العام 1990، وهو الذي أصدر الأوامر الشهيرة الداعية إلى تكسير عظام الفلسطينيين في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، إلا أنه عندما وصل إلى رئاسة الحكومة في العام 1992 توصل إلى استنتاج بضرورة مصارحة الإسرائيليين بحقيقة أن استمرار الاحتلال لا يمكن أن يكون أمام شعب يرفض الاحتلال وينتفض ضده.

غانتس المولود العام 1957 لأم من أصل مجري وأب من أصل روماني التحق بالجيش في عام 1977، حيث انضم للواء المظليين وتدرج في هذا السلاح حتى صار قائداً له في عام 1995. وفي عام 2011، صار قائداً لأركان الجيش. ومن أبرز المهام العسكرية التي تولى قيادتها أثناء وجوده في ذلك المنصب عملية «الجرف الصامد» ضد قطاع غزة.

أدرك غانتس، زعيم حزب «كاحول لافان- أزرق أبيض»، الخطر الذي يحيق بإسرائيل نتيجة سياسات نتانياهو وعتاة المتطرفين، وتعليقاً على نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة قال غانتتس: «غالبية أعضاء الكنيست سيوصون بي لتشكيل الحكومة المقبلة.

سأشكل الحكومة ولن نسمح بانتخابات رابعة. سأقيم حكومة مستقرة تنتشل إسرائيل من الكراهية والانشقاق وتمنحنا القدرة على المضي قدماً»، وأعلن أن زمن حكم خصمه نتانياهو قد ولى.

وفعلاً هذا ما جرى، فقد حصل على دعم واحد وستين نائباً في الكنيست «البرلمان» من أصل مائة وعشرين نائباً، وهي الحد الأدنى المطلوب لتشكيل الحكومة.

بيضة القبان التي رجحت كفة غانتس هي تأييد القائمة العربية المشتركة، التي حصلت على 15 مقعداً في الكنيست ووعدها غانتس بثلاث حقائب وزارية لأول مرة في تاريخ الكيان الإسرائيلي، لكن لماذا دعمت القائمة غانتس وهي تعلم تاريخه العسكري وقيادته الجيش في الحرب على غزة؟

ثمة مثل فلسطيني يقول «شو اللي رماك عالمر؟ قال: اللي أمر منه».

يقول محلل من فلسطينيي الداخل: لقد وظف نتانياهو حتى خطر «الكورونا» لمصلحته السياسية وعنصريته ضد العرب.

وهو الذي واظب منذ العام 2015 على تكريس التحريض كونه عنصراً «شرعياً» في الخطاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الداخل ونوابهم في الكنيست.

ولم يترك مجالاً لأي تأويل، أو حتى وهم ولا نقول أملاً، لاعتراف المؤسسة السياسية في إسرائيل بشرعية مهما كانت لفلسطينيي الداخل، حتى في مقاومة وباء يصر نتانياهو نفسه على أنه أول من شخّص كونه وباء عالمياً، فقد سارع معلناً أن حكومته الطارئة، التي يريدها، يجب أن تبقى خالية «من مؤيدي الإرهاب» على حد وصفه، في إشارة واضحة لـنواب القائمة العربية المشتركة في الكنيست.

عرب الداخل لم يعودوا رقماً سهلاً في المعادلة الإسرائيلية، فقد تطرق غانتس إلى التصريحات والإجراءات التي رافقت مشاورات التوصية عليه لتشكيل الحكومة، بالقول «رافق ذلك تصريحات عنصرية صعبة، وتهديدات ما ينذر بإمكانية انهيار أسس الديمقراطية الإسرائيلية».

وهذا ما عبرت عنه زهافا غلئون في صحيفة «هآرتس» بقولها: «جميعنا سندفع ثمن هذا الصمت، وبسبب اختيارنا التصفيق لمقامرة مجنونة على مستقبل إسرائيل، ولكن بالأساس على تنكرهم الجبان لمواطني إسرائيل العرب.

لا يمكن معرفة ما الذي يخبئه لنا المستقبل، لكن من الواضح أن الصراع هو حول هوية الدولة، وهو صراع من المحظور تركه لسياسيين يخشون من الوقوف وراء ما يؤمنون به.

وهذا النضال يحتاج إلى مجتمع مدني قوي يحارب من أجل القيم التي يؤمن بها.

نتانياهو يقترح علينا عالماً من دون كوابح ودون أخلاق. ولا يوجد أي سبب للذهاب في هذه الطريق ونحن نطأطئ الرأس».

فهل ينجح غانتس بتشكيل الحكومة أم يلتف عليه نتانياهو ويواصل مساره المتطرف نحو إنهاء وجود إسرائيل؟ أم يكون مصير غانتس هو مصير رابين نفسه؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات