استراتيجية الوباء

خرج علينا رئيس الوزراء البريطاني بتصريح تصدر معظم عناوين الصحف في حالة قلما تحدث. إذ قال بعد اجتماعه مع العلماء بشأن استراتيجية التصدي لمرَض العصر فيروس (كورونا) المستجد: بأن «أناساً كثيرين سوف يفقدون أحبابهم».

وبعد تأمل كلامه وكلام مستشاره العلمي تبين أن بريطانيا قد شذت عن سائر بلدان العالم باستراتيجية عدم محاصرة الوباء وتركه ينتشر وذلك بين نحو ٦٠ في المائة من السكان حتى ولو مات من مات منهم فإن هذه الاستراتيجية قائمة على فرضية أن السكان سوف تصبح لديهم مناعة ذاتية وهي ما يطلق عليها العلماء (مناعة القطيع) herd immunity مع حماية كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

غير أن تلك الاستراتيجية التي فاجأت الجميع سرعان ما تغيرت في أقل من أسبوع بعيد صدور دراسة علمية أو تقرير مهم من كلية إمبريال العريقة خلصت إلى أن الاستراتيجية المثلى هي الوقف الفوري لانتشاره بتطبيق العزل الاجتماعي الفوري.

في الأوضاع الطبيعية من المهم أن يكون لديك استراتيجية لأنها خارطة طريق تماماً مثل تطبيق «غوغل مابز» الذي يأخذك إلى وجهتك المقصودة. فحينما تقرر الاتجاه شمالًا يختلف اختلافًا كلياً عن الاتجاه جنوبًا من حيث متطلبات الرحلة، وشروطها، ومناخها، ومن يجب أن يكون معك في مسيرتك.

بريطانيا كان لديها استراتيجية (التجاهل) التي كان يمكن أن تحصد أرواح أكثر من ربع مليون شخص ثم سرعان ما تراجعت لصالح أخرى يتوقع أن تحصد أرواح بضعة آلاف مصاب. على أقل تقدير صار لديها استراتيجية معلنة. في حين أن بعض الدول تتبنى استراتيجية بناء على ردود أفعال الرأي العام الضاغط وهي أخطر ما يمكن أن يحدث في الأزمات الصحية وتفشي الوباء.

من المفترض أن الدول لديها بيانات سرية وإحصائيات دقيقة تستطيع أن تبني عليها أو تختار منها استراتيجية تأخذها إلى أقل الأضرار الممكنة. تماماً كالسفينة الغارقة لا يرمي قبطانها والركاب كل شيء ثمين أولاً بل يبدأون برمي حاجياتهم الثقيلة الهامشية ثم يتدرجون حتى ينجوا جميعاً بأنفسهم وبمقتنياتهم الثمينة فور وصول طوق النجاة أو قواربها.

لا تعتبر استراتيجية الوباء أو غيرها فعالة إذا لم تبن على معطيات رصينة، واستعراض لجميع السيناريوهات المحتملة والأهم السيناريو الأسوأ على الإطلاق. فالصورة الوردية للسيناريو الأفضل لا يجب أن نلتفت إليها في الأزمات بل الأسوأ لأنه قد يحصد أرواح الأبرياء.

فرنسا مثلًا اضطرت إلى حظر التجول وهو قرار يتحاشاه الكثير من الحكومات والشعوب لاعتبارات اقتصادية واجتماعية ونفسية لكنه قد يكون الملاذ الأخير.

وهو ليس دليل ضعف بل وسيلة أو حاجة لتحقيق العزل التام للمصابين بفيروس (كورونا) المستجد (كوفيد-19). أما الاستراتيجية الإيرانية والإيطالية نراها كمراقبين أثبتت فشلها. لاستهانتهما بالوباء في بداياته حتى تفشى في أعداد هائلة فلم يعد مثلاً لدى إيطاليا المقدرة في السيطرة عليه.

و«استراتيجية الوباء» هي في الواقع رمزية لأي استراتيجية تضطر المنظمات والدول إلى تبنيها في أوقات الأزمات الحالكة. ولذا فهي مثل غيرها تحمل معها تداعيات مؤلمة اقتصادية وتجارية ومالية واجتماعية. وهذا ما يتطلب تضافر كل الجهود ونبذ الخلافات الداخلية ولو مؤقتًا حتى نرسو جميعاً بالسفينة إلى بر الأمان.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات