أزهى فترات «الإعلام الفوضوي»

ليس هناك أية مبالغة، لو أنا أحدنا قال: إن الزمن الذي نعيشه هو «أزهى» فترات الإعلام الفوضوي على مر التاريخ، فهو اليوم يصنع المستحيلات ليس فقط في تغيير ما هو قائم عندما كان يطلق عليه السلطة الرابعة كما حدث في دول أصابها ما كان يعرف بـ«الربيع العربي»، ولكن اليوم يقوم بدور أشد خطورة وهو تدمير المجتمعات وربما المساس بالرموز المجتمعية حتى صار المصطلح المستخدم في التعريف عن دوره «السلاح الإعلامي» وهو تعريف معبر.

فما أعتقده أن الفارق بين الاثنين كبير، فمن واجب السلطة الرابعة أن تحمي قواعد المجتمع وأعرافه وتحافظ عليه، بل تعمل على استنهاض همم أفراد الشعب للتعامل مع التحديات والأزمات بروح وطنية ومسؤولة، مثلما هو الإعلام الرسمي في دولة الإمارات بشقيه التقليدي والحديث.

وأما السلاح فأول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذا المصطلح هو التنافس والتحدي إلى درجة الاندفاع نحو تدمير أسس المجتمعات وكل قصة تنموية جميلة، قناة الجزيرة والإعلام التابع لتنظيم الإخوان المسلمين أبرز مثال حالياً، ربما لأن أيديولوجيتهم تقوم على التدمير.

يرجع الأمر لأن تكون هذه الفترة هي أزهى فترات الإعلام الفوضوي إلى سبب بسيط، وهو انتشار شبكة الإنترنت ورخصها، ومعها أجهزة الهواتف بمختلف أجيالها ونحن اليوم في الجيل الخامس منه، والتي باتت في أيدي الجميع ما يعني نقل المعلومات – بغض النظر عن صحتها من عدمها - بطريقة سهلة وسلسة، وتحالفت مع هاتين الأداتين العديد من الأدوات والتقنيات المساعدة مثل الصورة والرسوم وكذلك أسلوب أصحاب الحسابات وخاصة إذا كان يحمل طابعاً أيديولوجيا أو طائفياً وهي «الأوتار» التي إذا أدخلت عليها «السياسة» حفزت بعض الناس.

هنا أصبح الإعلام مهنة الكل أو أنها مهنة لكل من لا يمتلك مهنة، وأصبح للكل وجهة نظر في كل القضايا والأزمات، فتحول الإعلام إلى «سلاح» خطير في يد الغوغائية وباتوا يخلقون إشكالات بين أفراد المجتمع، وبما أننا نعيش هذه الأيام أزمة عالمية متمثلة في فيروس كورونا ويحتاج الأمر إلى تكاتف الجميع وتعاون لإيصال المعلومة الصحيحة وعدم إثارة الفزع الهلع، فإن البعض استغل المساحة لنشر الأكاذيب والتضليل والبعض وجدها مساحة للهجوم على مجتمع الإمارات، هكذا «الإخوان المسلمون» كعادتهم حاولوا تسييس الأزمة من خلال محاولة خلق فتنة بين الدول العربية.

في بدايات انتشار الأجهزة الهاتفية الحديثة، كان الاعتقاد السائد أنها سوف تساعد كثيراً على خدمة الإنسانية من خلال تبادل الهموم بين الشعوب وبالتالي تحسين المستويات المعيشية والتقليل من مسألة الفساد، باعتبار أنها الأدوات التي تساعد على ممارسة دور «السلطة الرابعة» بشكل حقيقي، غير أن المشكلة باتت اليوم تتمثل في عدم القدرة على السيطرة ليس على تدفق المعلومات المضللة فقط وإنما على ظهور من ينتسبون إلى المهنة ذات الرسالة الإنسانية، بل الأخطر من ذلك أنهم أصبحوا قادة رأي في المجتمعات «ويفتون» في كل القضايا والأزمات حتى بات المختصون يترددون في إبداء رأيهم فيها حتى لا يتم حسابهم ضمن المجموعة التي ظهرت في زمن الفوضى الإعلامية.

لم يكن للإعلام «كسلاح» (سواء ضد الدولة أو في حالة الخلافات بين الدول) من حال ومكانة مثلما هو عليه الآن، حيث شمل كل نواحي الحياة بما فيها الرياضية، وما رأيناه خلال الأزمة الحالية هو خير شاهد وخير دليل.

بل إن خطورته (هذا السلاح) تكمن في بداية التغطية للحدث، فهي بمقام الطلقة الأولى لهذا السلاح فإذا كانت الطلقة دقيقة أي إذا كانت المعلومة صحيحة فإن نسبة النجاح فيها كبيرة لصالح من بدأ بالطلقة، والعكس صحيح فالتأخر فيها وخاصة في مواجهة الإعلام الفوضوي يحتاج إلى جهد مضاعف للتخفيف من آثاره السلبية، وبالتالي فهي ضرورية في إدارة أي معركة من أجل إسكات من باتوا يمثلون تحدياً خطراً على المجتمعات، لأنه سلاح لا يعرف الحدود الجغرافية ولا المسافات الطويلة في عصرنا الحالي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات