ثلاثاء انتخابي آخر ودعوة خطيرة

الحدث الأكثر دلالة وخطورة معاً في الانتخابات الأمريكية الأسبوع الماضي كان دعوة أطلقها، قبل ساعات من إعلان النتائج النهائية، عضو مجلس النواب الأسود البارز جيم كلايبورن، وكلايبورن من أهم القيادات المخضرمة في الحزب الديمقراطي، التي تحظى باحترام واسع.

ويأتي ترتيبه الثالث في سلم مناصب الحزب بالمجلس، وهو الترتيب الذي يعتمد على أقدمية العضوية، فضلاً عن الانتخابات لتلك المناصب داخل كل حزب بالمجلس. وتأييد كلايبورن لجوزيف بايدن قبل انتخابات كارولينا الجنوبية لعب دوراً حاسماً في حشد تأييد السود من الأكبر سناً لصالح الأخير ليس فقط في تلك الولاية وإنما في غيرها من ولايات الجنوب لاحقاً.

أما الدعوة التي أطلقها كلايبورن فكانت موجهة للجنة العامة للحزب الديمقراطي، أي أعلى سلطة سياسية في الحزب، يطالبها بأن تقوم، حال فوز جوزيف بايدن في ولايات الثلاثاء الماضي، بإلغاء الانتخابات في باقي الولايات الخمسين بين بايدن وساندرز وإلغاء كل المناظرات التالية بينهما، وإعلان بايدن فوراً مرشحاً للحزب الديمقراطي، ليخوض معركة الخريف ضد ترامب.

وقد برر كلايبورن تلك الدعوة بقوله: إن إجراء حملة تمهيدية ممتدة حتى يونيو المقبل قد يحدث خلالها هجوم على بايدن (يقصد من معسكر ساندرز) يمكن أن يؤثر سلباً علي مقدرات الأخير أمام ترامب في حملة الخريف. وأكد الرجل أنه من الممكن أن يقال في ذلك الهجوم «ما لا يمكن التغلب عليه» في حملة الخريف، أي أن تلتصق أحد الاتهامات ببايدن، فيستغلها ترامب ضده.

والدعوة فريدة من نوعها وخطيرة معاً، فهي فريدة، لأنها، في حدود علمي، المرة الأولى التي يدعو فيها أحد قيادات أي من الحزبين إلى إلغاء الانتخابات التمهيدية، بينما هي على قدم وساق، وهو ما يمثل تغييراً لقواعد اللعبة بعد بدايتها.

وهي دعوة خطيرة، لأنها تعود بالولايات المتحدة للوراء قبل أن يتم اعتماد الانتخابات التمهيدية كونها وسيلة لاختيار مرشحي الحزبين، فقبل القرن العشرين كان اختيار مرشح الحزب الذي سيخوض الانتخابات ضد مرشح الحزب الآخر عملية منوطة بقيادات الحزب وحدهم دون أي تدخل لا من الناخبين ولا حتى الولايات، وكان الاختيار يتم وراء أبواب مغلقة لا يعرف أحد على أي أساس وقع الاختيار على هذا المرشح أو ذاك، ولا ماهية المعايير التي اتبعت لاستبعاد أحدهم.

وقد وجد الناخبون في ذلك الترتيب وضعاً غير مريح وغير ديمقراطي، لأنه يفرض عليهم فرضاً مرشحاً يستوجب أن يؤيدوه في انتخابات الخريف.

ومن هنا، تم اعتماد فكرة جديدة هي انعقاد مؤتمر عام لكل حزب يحضره مندوبون عن كل ولاية. ويكون لأولئك المندوبين، عبر الاقتراع، اختيار مرشح حزبهم ليخوض الانتخابات ضد الحزب الآخر، لكن المسألة وفق هذا الترتيب لم تختلف كثيراً، إذ ظلت قيادات الحزب هي التي تختار أولئك المندوبين في كل ولاية أصلاً، أي ظل القرار في يد نخبة الحزب.

ومن هنا، تم اختراع نظام الانتخابات التمهيدية، والتي صار فيها الناخبون في كل ولاية هم الذين يختارون مندوبي الولاية، الذين سيحضرون المؤتمر العام. وهو الاختراع الذي بدأ تنفيذه في النصف الأول من القرن العشرين بشكل تدريجي، إذ تبنته الولاية بعد الأخرى، حتى تبنته الولايات كلها مع بداية سبعينيات القرن.

ورغم أن نظام الانتخابات التمهيدية يظل نظاماً لانتخابات غير مباشرة مثله مثل انتخابات الخريف، إلا أن الكثير من الأمريكيين يعتبرونه أفضل بكثير من تدخل قيادات الحزب لاختيار مرشح، وفرضه فرضاً عليهم، وهو بالضبط ما تمثله دعوة كلايبورن، فاللجنة العامة للحزب التي دعاها لإلغاء الانتخابات التمهيدية هي قيادات الحزب، الأمر الذي يعود بأمريكا للقرن التاسع عشر.

الأخطر من ذلك أنها دعوة تحرم ناخبي الولايات، التي لم تجر انتخابات التمهيدية بها بعد، من الحق في المشاركة في اختيار مرشح حزبهم. أكثر من ذلك، فإنه يفرض عليهم الاختيار الذي قرره ناخبو الولايات، التي أجرت انتخاباتها قبل دعوته، وذلك في دولة فيدرالية يعتز فيها ناخبو الولايات المختلفة باستقلالية ولاياتهم في مثل تلك الاختيارات.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات