الإمارات وفن إدارة الأزمات

تظهر قدرات الدول وإمكاناتها وكفاءة مؤسساتها وسياساتها في أوقات الأزمات، فالدول المتطورة والناهضة التي تملك رؤى واضحة وتخطط بكفاءة للمستقبل، غالباً ما تكون أكثر استعداداً للتعامل مع أية أزمات مفاجئة؛ لأنها في تخطيطها للمستقبل تضع في حسبانها كافة السيناريوهات وتصوغ الخطط الاستباقية اللازمة للتعامل مع كل سيناريو، وهذا هو جوهر مفهوم إدارة الأزمة.

ومنذ ظهوره في مدينة ووهان الصينية وانتشاره لاحقاً إلى معظم دول العالم وتحوله إلى وباء عالمي، شكل فيروس كورونا المستجد أزمة خطيرة، طالت تداعياتها السلبية معظم دول العالم، التي تباينت في ما بينها بشكل واضح في كيفية تعاملها مع هذه الأزمة وتداعياتها الخطيرة على المستويات كافة.

وكان لافتاً هنا أن دولاً متقدمةً مثل إيطاليا وإسبانيا وإلى حد ما فرنسا وألمانيا، بدا أنها لم تكن مستعدة للتعامل مع أزمة بهذا المستوى، أو أنها لم تدر الأزمة بالشكل المناسب ما ترتب عليه تحولها إلى مركز جديد لتفشي الوباء في العالم بعد الصين، فيما أعلنت كثير من دول العالم حالة الطوارئ الوطنية لمنع تفشي الفيروس فيها.

الإمارات، وكعادتها، قدمت نموذجاً رائعاً للعالم كله في كيفية إدارة أزمة بهذا المستوى. فهذه الدولة التي تنتهج سياسة منفتحة على العالم كله، وتحتضن على أراضيها جنسيات من جميع دول العالم تقريباً، وتمتلك أكبر المطارات في العالم وأكثرها ازدحاماً، وترتبط بعلاقات شراكة استراتيجية مع الصين، مركز تفشي الوباء، كانت احتمالات تأثرها بالفيروس الجديد كبيرة بالنظر إلى كل هذه العوامل، ولكن إدارتها الرشيدة للأزمة، جعلتها في مأمن من هذا الخطر، وجعلتها من أقل دول العالم تأثراً بالوباء، وهذا أثبت بالدليل القاطع أننا نمتلك المؤسسات القوية التي تستطيع التعامل مع كافة التحديات والمخاطر، وأن لدينا القيادة الرشيدة التي لا تترك شيئاً للصدفة وإنما تخطط بشكل علمي لكل السيناريوهات والاحتمالات.

لقد استعدت الإمارات مبكراً للتعامل مع هذه الأزمة، واتخذت مجموعة من الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية المناسبة لها، سواء من خلال تأهيل المؤسسات الصحية والمستشفيات وتزويدها fكافة الإمكانات التي تساعدها على التعامل مع أية حالات إصابة محتملة، وإجراء الفحوص الطبية اللازمة لكافة الداخلين للدولة، ولا سيما من الدول التي ظهر بها الوباء، ومتابعة حالتهم بعد الدخول، والتحرك الحاسم والسريع والشفاف في التعامل مع الحالات التي يتم اكتشافها وتقديم الرعاية الصحية المناسبة للمرضى، وفرض العزل والحجر الصحيين على المشتبه بإصابتهم بالفيروس.

أو من خلال القيام بالتوعية الإعلامية والصحية المناسبة لجميع المواطنين والمقيمين على مدار الساعة، والتوجيه بوقف جميع الفعاليات والأنشطة والتجمعات البشرية التي يمكن أن تساعد على انتشار المرض، مع تقييد حركة السفر والتنقل في الدول التي تعاني تفشي الوباء فيها.

وعلى المستوى التعليمي، جاء قرار تقديم إجازة الربيع للمدارس والجامعات والمعاهد التعليمية كافة لمنع انتشار الفيروس بين الطلاب والكوادر الإدارية والتعليمية ليجسد المعنى الحقيقي لفن إدارة الأزمة، حيث ترافق قرار تأجيل الدراسة مع تحرك وزارة التعليم وكافة المؤسسات التعليمية في الدولة لإقرار نظام التعليم عن بعد، فيما بدأت بعض المؤسسات الوطنية بوضع خطط العمل عن بعد، ولا سيما لفئات كبار السن والفئات الأكثر تعرضاً لخطر الإصابة، وهو التحرك الذي أظهر مدى مرونة مؤسساتنا الوطنية وقدرتها على التكيف مع التطورات المختلفة وامتلاكها الخطط والإجراءات الاستباقية التي تساعدها على مواصلة تحقيق أهدافها في كل الظروف والأحوال.

لم تكتفِ الإمارات بنجاحاتها الداخلية في محاصرة الوباء ومنع انتشاره، بل إنها قدمت الدعم الخارجي بصورة مختلفة للدول الموبوءة مثل الصين وإيطاليا وإيران وغيرها، وقامت بعمليات إجلاء إنساني لرعايا دول عدة من مدينة ووهان الصينية، وأحضرتهم إلى أراضيها لتلقي الرعاية الصحية المناسبة، وأنشأت لهم مدينة متكاملة للرعاية الصحية هي مدينة الإمارات الإنسانية، لتثبت للجميع كله أنها دولة مسؤولة وأنها مركز للإنسانية في العالم.

إدارة الإمارات الناجحة والفاعلة لأزمة فيروس كورونا المستجد، لا تقدم فقط نموذجاً للعالم في كيفية إدارة الأزمات، ولكنها أيضاً تقدم رسالة واضحة أن دولتنا وقيادتنا الرشيدة، ماضية بقوة وبثبات في مسارها نحو تحقيق الريادة العالمية، ولن يثنيها عن ذلك أي شيء.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات