أيًّا كانت الحقيقة

كمٌ هائل من الأخبار والمعلومات والنصائح والحقائق والشائعات ينصب علينا عبر مختلف المنصات، منذ أن أخذ فيروس كورونا المستجد « كوفيد 19» يتخذ مساراً آخر وخرج من الصين، حيث كان إعلان ظهوره الأول، لينتشر في أقطار أخرى، يفصل بينها وبين الصين آلاف الكيلومترات، وكأن بقاءه في الصين، رغم سرعة الانتشار غير العادية التي صاحبت ظهوره، كان مبرراً لعدم المبالاة التي تعامل بها العالم خارج الصين مع المرض الذي اجتاح أغلب دول العالم، وأصبح كارثة تعاني منها دول كثيرة، الأمر الذي جعل منظمة الصحة العالمية تعتبره جائحة عالمية.

في البداية روّج البعض أن المرض مؤامرة أمريكية على الاقتصاد الصيني. وقد وجدت هذه الفكرة قبولاً كبيراً لدى كثير من الناس لأسباب عدة، منها أن اقتصاد الصين قبل ظهور مرض كورونا المستجد كان يمثل تهديداً حقيقياً للاقتصاد الأمريكي، وأن المرض كان محصوراً في الصين.

وظلت هذه الفكرة متأرجحة بين التصديق والتكذيب، لكن ما أعطاها قوة دفع كبيرة هو التغريدة التي نشرها المتحدث باسم الخارجية الصينية «تشاو لي جيان» يوم الخميس الماضي، وقال فيها إن الجيش الأمريكي ربما جلب فيروس كورونا إلى مدينة ووهان الصينية، وتساءل في تغريدته التي نشرها باللغة الإنجليزية: «متى ظهر المرض في الولايات المتحدة؟ كم عدد الناس الذين أصيبوا؟ ما هي أسماء المستشفيات؟ وختم:«ربما جلب الجيش الأمريكي الوباء إلى ووهان.. تحلوا بالشفافية! أعلنوا بياناتكم! أمريكا مدينة لنا بتفسير».

مع تراجع المرض في الصين وبداية تعافي مدنها منه، وانتشاره في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، ظهرت فكرة مناقضة للفكرة الأولى، وخرج علينا من يقول إن الصينيين خدعوا العالم كله بفيروس كورونا وأنقذوا اقتصادهم، وجعلوا الأمريكيين والأوروبيين يبيعون أسهمهم في شركات تكنولوجية ذات قيمة مضافة عالية بأثمان زهيدة للحكومة الصينية.

وحسب أصحاب هذه الفكرة فإن القيادة الصينية استخدمت تكتيكاً اقتصادياً جعل الكل يبتلع الطعم بسهولة، إذ ضحت ببعض المئات من مواطنيها عوضاً عن أن تضحي بشعب بأكمله، وبهذا نجحت في خداع الجميع، حيث حصدت ما يقارب 20 مليار دولار أمريكي في ظرف يومين فقط، ولما تيقن ممولو الاستثمارات الأوروبية والأمريكية أنهم خُدِعوا كان الوقت قد تأخر جداً.

ولأن الحلقة لا تكتمل إلا بدخول الروس على الخط، فقد أعلن الخبير البيولوجي الروسي إيغور نيكولين أنه لا يمكن لفيروس كورونا بشكله الحالي الظهور طبيعياً، بل على الأغلب صناعي، قائلاً إنه لا يمكن بصورة دقيقة تحديد مكان إنتاجه، ولكن حقيقة كونه خلق في المختبر واضحة جداً.

وأكد على ضرورة سماح الولايات المتحدة للمراقبين الدوليين بتفتيش مختبراتها، وإلا فستكون في مقدمة المشتبه بهم في إنتاج هذا الفيروس.

وكشف العضو السابق في لجنة الأمم المتحدة للأسلحة البيولوجية عن وجود 25 مختبراً بيولوجياً أمريكياً تعمل حول حدود الصين، مبيناً أن من بين تلك الدول كازاخستان ولاوس وفيتنام وتايوان وكوريا الجنوبية والفلبين وبلدان أخرى تحوي على تلك المختبرات البيولوجية الأمريكية، التي أنشئت وفق اتفاقات دولية.

سيناريوهات مبنية على نظرية المؤامرة، في ظلها تابعنا كيف تعاملت الدول مع الفيروس الجديد الذي تحول إلى جائحة بعد أن تضاعف خلال الأسبوعين الأولين من شهر مارس عدد الإصابات بالمرض خارج الصين 13 مرة، وتضاعف عدد البلدان التي وصل إليها الوباء 3 مرات.

ونحمد الله أن دولتنا من أوائل الدول التي تعاملت مع هذا الوباء بجدية تامة ومسؤولية كاملة، فكانت الدولة العربية الأولى التي أعلنت عن تسجيل أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد أواخر شهر يناير الماضي، وبدأت منذ وقت مبكر الاستعداد للحد من انتشار الوباء، واتخذت كل الإجراءات لوقاية مواطنيها والمقيمين على أرضها والقادمين إليها من التعرض لهذا المرض.

على الجهة المقابلة ظلت دول كثيرة، عربية وغير عربية، تدفن رأسها في الرمال، وتتجنب مواجهة الواقع، وترفض الاعتراف بوصول المرض إليها، حتى بلغت الأمور فيها مرحلة كارثية أدت إلى وضعها على قائمة البلدان ممنوع السفر إليها واستقبال القادمين منها.

ولعل هذا من أهم أسباب انتشار المرض وفقدان السيطرة عليه فيها، لأن الانسياق وراء نظرية المؤامرة، سواء كانت هناك مؤامرة أم لم تكن، ربما يجعل البعض ينشغل بالجدل حولها، لكنه لا يجدي في مواجهة الأمراض والأوبئة عندما تصبح واقعاً يعاني منه البشر، مثلما هو واقع الحال الآن مع انتشار فيروس كورونا المستجد وتحوله إلى جائحة عالمية.

أياً كانت الحقيقة، وأياً كان سبب الفيروس، فنحن نواجه واقعاً صعباً نتمنى أن يتجاوزه العالم بأقل قدر من الخسائر.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات