نظام سياسي خارج المألوف

ما زال التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين يعرض المثل تلو الآخر، على استثنائيته واختلافه عن سائر الخلق في إدارة العملية السياسية، ومن ذلك خوض مواطنيه في ثلاث جولات خلال أقل من عام، لانتخاب أعضاء مؤسستهم النيابية (الكنيست)، جراء فشل نخبهم الحزبية في تشكيل حكومة أغلبية بسيطة.

هذا أمر لا نظير له في أي كيان سياسي، ليبرالياً ديمقراطياً كان أم شمولياً دكتاتورياً. ولا توجد أيضاً نظم سياسية تحاكي النموذج الإسرائيلي، لجهة التعدد الفائض للأطر والكينونات والتكتلات والقوائم الحزبية، في بلد لا يزيد قوامه السكاني عن سبعة ملايين يهودي ومليونين من السكان الأصليين العرب الفلسطينيين.

على الرغم من تفرد إسرائيل بهذه المعالم وسواها، ما يوجب الحذر وعدم الانسياق وراء إدراج تفاعلاتها السياسية بسهولة ضمن النماذج التقليدية لدى فقه الاجتماع السياسي، إلا أن بعض أهل الذكر في رحابنا العربية ما انفكوا يقعون في هذا المحذور. ولعل أحد أبرز آيات العكوف على هذا الخطأ وأقدمها إلحاحاً وتكرارية، مقاربة القوى السياسية الإسرائيلية، على الصعيد الأيديولوجي، من منطلق التصنيف الشهير بين يمين ووسط ويسار.

لا يلحظ أصحاب هذه المقاربة مدى تعجلهم، عندما يتجاوزون بتحليلاتهم سقف الفكر الصهيوني، الذي يستظل به كل المتنافسين المتجادلين في النظام السياسي الإسرائيلي. وهو لعمرك سقف شديد الدوجمائية والصلابة؛ لا مجال معه للمرونة والإفلات إلى مدارات اليمين واليسار وما بينهما، وخصوصاً في ما يتعلق بالتعامل مع أبعاد الصراع والتسوية مع العرب وملف القضية الفلسطينية.

سيقول البعض إنه ليس من الحكمة أو الحذق السياسي أو الدبلوماسي، إغفال الفوارق بين هؤلاء المتنافسين، بما يمنح فرصاً لتحقيق مكاسب معينة حتى وإن كانت محدودة، وإنه من حصيلة تراكم هذه المكاسب «ربما تحققت خروقات كبيرة لصالحنا». مثل هذا المنطق لا يبدو مقنعاً سوى من الناحية الصورية فقط، لأنه أولاً، يتجاهل نوعية القضايا التي تتشاكس حولها وتتدافع نخب السياسة والحكم في إسرائيل؛ والتي ليس من بينها الأهداف الثابتة للمشروع الصهيوني الحاضن للجميع، ولأنه ثانياً، لا يعبأ بخلاصة التجربة الممتدة والمضنية لهذا النهج، الذي تعلقت به مدرسة عربية وفلسطينية دون جدوى كبيرة لأكثر من أربعة عقود بطولها.

ولأن معتنقيه ثالثاً، يعيشون ما يشبه حالة إنكار تجاه ما يسمعون ويرون من انحدار الإسرائيليين ودخولهم تباعاً أكثر فأكثر، إلى حوزة الدوائر الموسومة باليمين والتطرف والانحراف متعدد الأسماء والتبعات.

جراء الانتخابات الأخيرة حصل حزب الليكود، بزعامة بنيامين نتانياهو عميد القوى «اليمينية»، على 36 مقعداً نيابياً، فيما استحوذ خصومه التاريخيون من العماليين «الحمائميين» جدلاً، برئاسة عمير بيرتس، على مجرد 7 مقاعد.

هذا دليل ساطع على انجراف الإسرائيليين نحو الأصول الصهيونية القحة، ومع أن القائمة العربية المشتركة قد نالت 15 مقعداً، أي ضعف عدد العماليين، إلا أننا لا نستطيع بالمطلق الاعتقاد بأن الإسرائيليين باتوا يميلون إلى أهداف القطاع العربي الذي تمثله هذه القائمة. القصد أن للعملية السياسية وتجلياتها في هذه الدولة خصوصيتها، بما لا يصح معه إسباغ التعميمات الفقهية الشهيرة عليها.

ونتأكد من هذه الخصوصية أيضاً، وأن كلاً من اليمين واليسار والوسط في القطاعات اليهودية، يدور في فلك بنية الصهيونية الأم، حين نتذكر كيف أن دافيد بن غوريون، كاهن العماليين الأكبر، هو الذي قاد حملة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين أبان حرب 1948/‏ 1949، فيما تولى غريمه اليميني شديد التطرف مناحم بيغن، إبرام أول اتفاقية للسلام مع العرب، وأشرف على الانسحاب من أراض عربية محتلة، ثم إن اسحق رابين، العمالي وحمامة اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، هو نفسه صاحب نظرية تكسير عظام الفلسطينيين أثناء الانتفاضة الأولى.

العبرة أن كلاً من هؤلاء وبطاناتهم سعى في خدمة الصهيونية الواحدة التي لا شريك لها بحيثية مختلفة، ولا صلة لمساعيهم واستراتيجياتهم وأهدافهم العليا بالأسس ومنظومات القيم والنوازع المتعارف عليها عند اليمين واليسار والوسط. يصدق هذا التصور على معتقداتهم واختياراتهم الموصولة بعالم الأيديولوجيا، وكذا على ممارساتهم وسلوكياتهم في نطاق السياسة العملية.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات