اللاجئ اليوناني الخواجا بنايوتي

في شارع الخياطين بالزرقاء كان ثمة مخبز هو الوحيد الذي يبيع الخبز الأفرنجي الذي يسمى الآن خبز الحمام أو السمون، أيامها في الستينيات، كان يسمى خبز «الفينو»، ولا أدري أصل التسمية، ربما فرنسية أو يونانية. صاحب المخبز كان الخواجة بنايوتي. رجل في متوسط العمر، ابيض الوجه بشاربين مهذبين. يتحدث العربية بطلاقة بحيث لا تشك انه ليس عربياً. لكن اسمه كان يستوقفنا ونحن صغاراً.

سألت أبي ذات يوم عن سر الخواجة والاسم «بنايوتي». أجابني أن الرجل يوناني. ولم يحك لي عن التفاصيل. نسيت الموضوع ونسيت خبز الفينو الكبير المستطيل المنفوخ حد الشبع لمجرد رؤيته، الشبيه بخبز التوست الآن.

في الكويت، كان زميل لنا صحافي مخضرم وسكرتير تحرير الصحيفة التي عملنا بها. طبعاً كان ضليعاً بالعربية وأستاذاً مثقفاً في الأدب العربي. استوقفني اسمه وهو الياس خريستو وجنسيته السورية.

أثناء السنوات التي عشتها في دمشق حين كنت أدرس الأدب الانجليزي بجامعتها، لم يمر علي عائلة سورية باسم خريستو. سألته بخجل ذات يوم عن سر الاسم. أجاب مبتسماً «أنا أصلي يوناني، هاجر أهلي من اليونان هرباً من النازية أثناء الحرب العالمية. ولدت أنا في دمشق، تحدث أهلي اللهجة الشامية، تعلمت في مدارسها، وأصبحت عربياً سورياً.

تذكرت الخواجة بنايوتي والياس خريستو وأنا أشاهد اللاجئين السوريين الذين قذفت بهم تركيا إلى البحر والمجهول للضغط على الدول الأوروبية لأسباب اقتصادية وأخرى سياسية، يتعرضون لقمع السلطات اليونانية من قنابل مسيلة للدموع وخيار»القتل أو العودة من حيث أتيت«وما قيل عن حالات اغتصاب لفتيات ونساء.

أما المشهد الذي لا ينسى فهو تلك الخطوط الحمراء التي رسمتها بالدم آثار القسوة على ظهر الشاب السوري وتداولتها وسائل السوشيال ميديا وهو واحد من عشرات انتزعت منهم السلطات اليونانية كل ما في جيوبهم وما يستر أجسادهم ورمتهم عراة لوحش البرد والمجهول على الحدود.

كذلك أعرب يونانيون عن رفضهم مساعدة المهاجرين في الدخول إلى أراضيهم، وأظهر مقطع فيديو زورقاً للاجئين وصلوا اليونان لكن سكان البلدة هناك طلبوا منهم المغادرة ومنعوهم من مغادرة الزورق. كما أضرم سكان في جزيرة ليسبوس النار في مركز سابق لإيواء المهاجرين قرب شاطئ سكالا سيكامينياس، وفقاً لوكالة الأنباء الفرنسية.

المفارقة أن التاريخ يعيد نفسه لكن من الجهة الأخرى من البحر.

ففي الحرب العالمية الثانية عندما احتل الجنود الألمان والإيطاليون اليونان، فرّ الآلاف عن طريق البحر إلى معسكرات اللاجئين في فلسطين وسوريا ومصر وليبيا. وبعدما وضعت الحرب أوزارها بدأوا في العودة إلى منازلهم، وتمكنت غالبيتهم من العودة بأمان، لكن الرحلة كانت بالنسبة لآخرين أشبه بالمأساة.

«حدث كهذا أمر يصعب نسيانه سيترك جراحاً لا تندمل ومرارة لا تشفى منها إلى الأبد» كما تقول إيليني كارافيلتسي التي كانت فرت أسرتها عام 1942 من احتلال النازيين لجزيرة كاستيلوريزو الواقعة على بعد كيلومترين من الساحل التركي.

في بداية الرحلة، أبحرت الأسرة إلى قبرص ومنها إلى معسكر لاجئين في قطاع غزة يطلق عليه النصيرات، ومكثوا هناك حتى انتهاء الحرب. وفي سبتمبر 1945، غادرت الباخرة البريطانية «إس إس إمباير باترول» مدينة بورسعيد المصرية، حاملة أسرة إيليني و500 لاجئ يوناني آخرين. وبعد مرور ساعات، اندلعت النيران على متنها، ولقي 33 يونانياً حتفهم، من بينهم 14 طفلاً.

ومن داخل حديقتها في كاستيلوريزو، تستطيع إيليني رؤية سفن وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي وهي تبحث عن مهاجرين جدد. وتستغرق في ذكريات ما حدث عام 1945.

لكن الاتحاد الأوروبي مصمم على عدم تكرار موجة لجوء 2015 فقد طار بشكل طارئ كبار مسؤولي الاتحاد إلى تركيا واليونان، ومن ضمنهم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين التي أعلنت أن الاتحاد سيقدم لليونان كل الدعم اللازم لمساعدتها على مواجهة تدفق اللاجئين. وأضافت أن من يسعون إلى اختبار وحدة أوروبا سيخيب أملهم، لافتةً كذلك أن الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود «فرونتكس» مستعدة لمساعدة أثينا على نشر قوات على الحدود.

مصادر دبلوماسية نقلت لوكالة رويترز غضب سفراء الاتحاد الأوروبي من ابتزاز تركي عبر استخدام مآسي اللاجئين كورقة ضغط، إذ قال أحد السفراء في اجتماع عُقد مؤخرًا:«تنام مع الشيطان وتصحو في الجحيم.. هذا هو حالنا الآن».. هذا هو العالم.. الساسة يقودون البشرية إلى حيث تجري سفن أهوائهم والشعوب دائماً تغرق في بحار من اللجوء والضياع والموت.

* كاتب أردني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات