الاستعداد لغير المتوقع

من كان يتخيل أن يتحول هذا العالم إلى مشهد في فيلم تمثيلي. ففور انطلاق نبأ إصابة المدينة الصينية بأشهر وباء في القرن الحديث (فيروس كورونا) حتى تداعت بلدان العالم بصورة غير مسبوقة لوضع حد لانتشاره. من كان يتصور أن تحجر إيطاليا على كل مدنها في تصرف لا يشاهد سوى في عالم هوليوود.

اللافت أن المفكر بيل غيتس، صاحب ثورة الحاسوب وبرمجيات الميكروسوفت، قد قال في خطبة عام ٢٠١٥ ما يكتب بماء الذهب. لأنها كانت خارطة طريق للمهتمين في الإدارة عموماً والصحة وإدارة الأزمات. حيث قال فيها، إن الخطر الحقيقي المحدق بالبشرية هو وباء الفيروسات وليس الحرب النووية.

ولو أننا استثمرنا في مواجهة الفيروسات أكثر من غيرها لصار لدينا جيش من الأطباء والعلماء والممرضين لمجابهة أي تفشي للفيروسات. الغريب أنه قال قبل خمسة أعوام إن الوباء القادم سيكون أكثر خطورة علينا جميعاً.

فهو لم يتحدث من فراغ، إذ أعد دراسة حالة معمقة لمرض ايبولا وكشف للمستمعين إليه في منصة TED بأن هذا المرض لحسن الحظ لا ينتشر في الهواء مثل الإنفلونزا ولو كان كذلك لوصل إلى المدن. وكأنه استبق أحداث ما يجري في عامنا هذا ٢٠٢٠.

تنبأ غيتس بأن الحاسوب والبريد الإلكتروني سوف يكتسحان حياتنا، لكن البعض لم يأخذه على محمل الجد. وها هو يصدمنا من جديد بتوقع وباء فيروس كورونا من دون أن يسميه. فكم من مفكر وعبقري أطلق صافرة الإنذار ولم يهتم به أحد.

وقال حرفياً إن الإنفلونزا الإسبانية عام ١٠١٨ (التي أصيب بها ملايين البشر) لو كانت في عصرنا لتمكنا على الأقل من السيطرة عليها من خلال وجود الساتلايت، والهواتف الخلوية، والانفتاح الإعلامي الهائل لتحديد بؤر انتشارها وحسن التعامل معها.

وكأنه يتحدث عن وضعنا اليوم. وهذا كلام صحيح فمن ناحية التوعية أصبحنا نرى الآن عامل النظافة ينظف يديه بالطريقة نفسها التي أعلنت عنها منظمة الصحة بالتخليل بين الأصابع وطريقة فرك اليدين. فصارت المعلومة الدقيقة والإرشادات تصل إلينا في ثوان.

غير أن بيل غيتس قال عام ٢٠١٥ إن البشرية ليس لديها الاستعداد للخطر القادم (الفيروسات)، وقد صدق في تنبؤه. فهو يرى ضرورة وجود وحدات طبية متنقلة على غرار «حلف الناتو» التي يمكن أن تنفذ عملياتها بسرعة كبيرة بما لديها من معدات وعتاد ومرونة.

أمام البشرية أيضاً حاجة ملحة إلى بناء نظام صحي قوي، ومؤسسات صحية متينة، ودمج العناصر الطبية مع الجنود للاستفادة من المقدرة الهائلة للجنود في التحرك السريع في الأزمات. ويطالب الحكومات بعمل برنامج للمحاكاة لكشف الفيروسات، حيث كانت آخر تجربة أجريت في عام ٢٠٠١ بالولايات المتحدة لكنها لم «تكن جيدة» على حد قوله. وصرنا بحاجة إلى تعزيز البحث العلمي لإيجاد لقاحات والوصول إلى تشخيص أفضل.

مشكلة الوباء ليس فقط في الضرر البشري، بل حتى المادي، فمن كان يصدق بيل غيتس حينما قال إن وباء الإنفلونزا إذا انتشر في العالم قد يخسر البشرية ثروة مقدارها ثلاثة تريليونات من الدولارات (١٢ صفر بجانب رقم ٣). وهذا ما حدث مع انهيار البورصات.

أنا شخصياً متفائل بأن العلماء سيجدون حلاً للفيروس بسرعة قياسية بعد الاختبارات السريرية. ولحسن الحظ أن درس فيروس كورونا قاسٍ علينا جميعاً، فلأول مرة بدأنا نعيد النظر في نظمنا وتشريعاتنا الطبية، والتعليمية عن بعد، والصحية (النظافة وغيرها)، والقانونية بعد أن رأينا بأم أعيننا بأن ما نراه في الأفلام يمكن أن يحدث على أرض الواقع إذا لم نصغِ جيداً لأصحاب الرأي السديد من العلماء والمختصين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات