الملكية الفكرية وحماية الصناعات الدوائية في الإمارات

الصناعة ليست مجرد آلات ومصانع واستثمارات، بل هي أكبر من ذلك بكثير، فهي بيئة أعمال تضم بنية تحتية، تتكون من شبكات طرق ومواصلات ومرافق، والأهم من ذلك بيئة تشريعية تحفظ لأصحاب العلاقة حقوقهم، وهذا الأمر يحظى بأهمية أكبر في الصناعات الطبية والدوائية مقارنة بغيرها من المجالات، فتطوير منتج دوائي يتطلب أبحاثاً ودراسات وتجارب قد تستغرق كثيراً من الوقت والتمويل، وربما تلجأ جهات تمويلية للمخاطرة والاستثمار بالمراحل الأخيرة لمنتجات ذات آفاق واعدة، لكنها بالتأكيد أقل اهتماماً بالاستثمار في مرحلة الأبحاث.

وهذه التحديات هي ما استدعت أن يضع العالم أحكاماً دولية للملكية الفكرية توازن بين حقوق الملاك والمستهلكين، وتشجع رأس المال على الاستثمار في هذه الصناعة التي تحتاج منتجاتها إلى سنين من الاختبارات، فمنذ البدء بإنشاء مصنع حتى جني الأرباح قد يستغرق الأمر 5 سنوات، وفي قطاع علوم الحياة الذي يعتبر ذا كثافة رأسمالية عالية ومرتفعة المخاطر، ثمة أسلوبين للتمويل، التصاعدي والتنازلي، وتقوم الحكومة في الأسلوب التنازلي بتوفير التمويل لمجمعات العلوم والأبحاث والتطوير، أما في الأسلوب التصاعدي فتتخلص الحكومة من عوائق مثل قوانين براءات الاختراع أو الإعفاءات الضريبية على الواردات والصادرات.

وتعتبر وزارة الاقتصاد هي الجهة المعنية بتسجيل الملكية الفكرية وحمايتها في دولة الإمارات، التي تتميز بمجموعة قوانين تهتم بالملكية الفكرية، مثل القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 2002 في شأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، واتفاقية منظمة التجارة العالمية (1997)، واتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية (1996)، واتفاقية الانضمام إلى منظمة الوايبو (1974)، كما صادقت الإمارات في 2017 على بروتوكول تعديل اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية، التي تعرف اختصاراً باتفاقية «تريبس».

وفي نوفمبر الماضي أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، القانون رقم 4 لعام 2019 بشأن الملكية الفكرية لمركز دبي المالي العالمي، ويغطي براءات الاختراع وشهادات المنفعة وتسجيل الرسوم والنماذج الصناعية وحقوق النشر والعلامات التجارية والأسماء التجارية والأسرار التجارية، بما يتماشى مع الاتفاقيات الدولية.

وتشكل هذه القوانين حجر الزاوية في بناء منظومة الملكية الفكرية التي لا يمكن من دونها ترسيخ دبي والإمارات على خريطة الصناعات الدوائية العالمية، علماً بأن الأدوية إحدى الصناعات المستهدفة في استراتيجية دبي الصناعية وخطة دبي 2021، التي يواصل القائمون عليها مساعيهم لجذب الشركات الصناعية الأكثر ابتكاراً، والتي يمكن أن تسهم بارتقاء مستويات الإنتاج وكفاءة الاقتصاد المحلي.

وقد يكون من المفيد لنا في الإمارات المساعدة بتوحيد الجهة المختصة بمنح براءات الاختراع الخاصة بالأدوية وكذلك توحيد الأنظمة الخاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية في دول مجلس التعاون، وتنبئنا التجارب العالمية بأهمية السياسات المرنة تجاه حقوق الملكية الفكرية في تطوير دول مثل الهند لصناعتها الوطنية للأدوية الجنسية ومن ثم الانتقال إلى مرحلة أخرى من الابتكار. ومن بين العوامل المعززة للابتكار السماح للشركات بتسجيل براءات اختراع للاكتشافات الناتجة عن الأبحاث التي تمولها الدولة كما في الولايات المتحدة.

ونظراً لصعوبة الابتكار في الصناعات الدوائية وتعقيدات التمويل وقوانين الملكية الفكرية تبرز أمام الإمارات أهمية التركيز على تقنيات طبية مثل تسلسل الحمض النووي، والذي يمكن أن يستوعب بسهولة القادمين الجدد في مجال علوم الحياة، مقارنة بالمنتجات الدوائية التقليدية، ويمكن الوصول بابتكاراته بسهولة أكبر إلى السوق وتحقيق قفزات كبيرة في هذا المجال.

 

* مدير عام مجمع دبي للعلوم ورئيس فريق عمل قطاع الصناعات الدوائية والمعدات الطبية ضمن استراتيجية دبي الصناعية 2030

طباعة Email
تعليقات

تعليقات