الاتصال الحكومي وصورة الأمة

لم تعد المؤسسات الحكومية المؤثرة والواعية تركن إلى إدارات العلاقات العامة في كل شيء. فقد تطور العمل الإداري فيها إلى تأسيس كيانات يطلق عليها «الاتصال الحكومي» أو ما يحبذ تسميتها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، «بالاتصال العمومي». فهو بالفعل خطاب الجهات الحكومية إلى «العامة» في الداخل والخارج.

وقد برزت أهميته في الأزمات بالدول التي لديها جهات تواصل حكومي ولوائح داخلية مهنية تمكنت من توجيه رسالة واضحة للناس. خذ مثلاً أزمة فيروس كورونا المستجد وسرعة التخاطب والإبداع في وسائل توصيل المعلومة للأمة داخليًا وخارجيًا.

وتكمن خطورة التواصل الحكومي في اعتباره مشروعاً مؤقتاً، وليس مشروعًا مؤسسيًا دائماً. ومن هذا المنطلق قرر المكتب الإعلامي في حكومة الشارقة تقديم مشروع دائم، فاختار ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس من جامعة الشارقة والمستشار الكويتي سعد الربيعان، الذي له باع في هذا المجال، لتقديم كتاب جديد شهد أمس صدوره في المنتدى الدولي للاتصال الحكومي في إمارة الشارقة.

وتكمن أهمية هذا الإصدار في أنه سيدرس في الجامعات ويقدم مادة علمية تخرج أجيالاً تدرك أهمية الاتصال مع عموم الجماهير. فهذا يختلف عن التواصل مع الإعلام لكونه أكثر تشعبًا.

فمن أهدافه عرض إنجازات الجهات بطريقة عصرية، وفهم ودراسة الرأي العام، وتعزيز صورة الدولة خارجيًا، والتصدي الذكي للأخبار المغلوطة، وإشراك المواطنين في اتخاذ القرار، وتسليط الضوء على الإنجازات، وتنوير القوى العاملة بأهداف الدولة واتجاهاتها حتى لا تضل طريقها.

ومن أبرز أدوار الاتصال الحكومي تفعيل الحوار مع الأمة (الدولة ككل) الذي ثبت في عصرنا أنه لا مفر منه. فسياسة دس الرأس في الرمال على طريقة النعامة والنفي لن تجدي نفعاً.

مشكلة الاتصال الحكومي أنها أداة قد تستخدم بصورة مميزة وعصرية وقد تستخدم بشكل سيئ مثل مطلع القرن العشرين حينما كانت الحكومات الغربية في أوروبا تنفي كل شيء سلبي تقريبا لاعتبارات اجتماعية وسياسية وغيرها.

ولذا تجد أكثر أجهزة الاتصال الحكومي فعالية تلك التي تحاول التزام الحياد، وتنحاز للشفافية والمهنية، واحترام عقول الجمهور الذي أصبح في شتى بقاع العالم أكثر اطلاعاً ومتابعة لحظية لكل الأحداث من حوله. ليس هذا فحسب بل صار يرى تجارب مشرقة من حوله وهذا ما رفع سقف مطالبه وآماله وطموحاته.

وهذا دور الاتصال الحكومي الذكي والمهني في رصد التغييرات المجتمعية والعالمية في محاولة لتقديم نموذج اتصالي متألق يفيد متخذي القرار وكذلك عامة أفراد الأمة ممن ينشدون حياة أفضل. وهذه سنة الحياة في كل المجتمعات.

وقد دخل الاتصال الحكومي إلى مراحل تبدو «شكلية» لكنها مهمة لينافس القطاع الخاص في الصورة الذهنية branding. فحينما تدخل أي موقع إلكتروني أو مبنى حكومياً بريطانياً لا يساورك الشك في أنك في موقع الحكومة البريطانية الآمن والمنوع بمعلوماته المحدثة دورياً. بدءًا من الشعار، وطريقة كتابته، وخطوطه، وانتهاءً بالمعلومات الدقيقة. وهذا ما أكسبه مصداقية بين شتى مواقع الحكومات.

وبريطانيا مثلها مثل غيرها مرت في حقبات مختلفة من الأخطاء والإخفاقات طوال تاريخها الأمر الذي أكسبها نضجاً وقوة في تقديم نموذج مشرق للاتصال الحكومي تتعامل من خلاله مع الجمهور على أنهم «حليف» من حقه أن يعرف الحقيقة وليس «خصمًا» لدودًا يجب مراوغته وربما خداعه. وهذا هو التفكير الذي يتناسب مع عصرنا المفتوح على مصراعيه لكل من يحاول البحث عن الحقيقة ليجدها بضغطة زر واحدة!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات