العراق هو الأهم

يوحي اعتذار محمد علاوي، الأحد، عن الاستمرار في تكليف الرئيس العراقي برهم صالح بتشكيل حكومة جديدة في العراق، ومعه انسحاب عادل عبد المهدي من حكومة تصريف الأعمال في ظل ضغط يعكس احتمالات سير العراق نحو أزمة سياسية معقدة ما لم يستدرك أبناؤه خطورة الأمر ويتفقوا على شخصية سياسية تدير أمور البلاد لحين إعادة انتخاب مجلس نواب جديد يمنح الأغلبية البرلمانية فرصة تشكيل الحكومة التي يطالب بها الشارع العراقي منذ أكتوبر الماضي حيث بات المحتجون العراقيون اليوم يمثلون قوى (كتلة) سياسية جديدة.

في تفاصيل سجالات زعماء الكتل السياسية خلال الشهر الماضي في العراق لم تكن بمثابة نوع من التنافس التقليدي المتعارف عليه في الدول التي تتبع النهج الديمقراطي أو المشاركة السياسية، والتي يفترض أن المنافسة فيها تكون من أجل خدمة مواطني الدولة أو من أجل إنقاذ الوطن، حيث إن تفنيد طبيعة تلك الاختلافات بين مؤيد لعلاوي ومعارض له انصبت حول الحصص المخصصة لكل كتلة في التشكيل الجديد أو حول الآلية التي اعتمدها علاوي في اختيار حكومته، كما أن تصريحات السياسيين بينت عن وجود فقدان الثقة من الدور الذي يمكن أن يلعبه من اختارهم علاوي فكان الأمر وكأن هناك انفصاماً أو انفصالاً تاماً بين ما يقوم به السياسيون من خلال مناقشاتهم وبين المجتمع أو الرأي العام الذي يطالب بالإصلاح ووصل به الأمر إلى المطالبة بتغيير النظام السياسي الذي تم وضعه بعد عام 2005.

لم يكن الاختلاف بين السياسيين على انتشال العراق من الأزمة التي يمر بها منذ أكتوبر الماضي هو الحدث الأبرز الآن خاصة في ظل تهديد عودة تنظيم (داعش)، ولم يكن الخلاف بينهما على كيفية التعامل مع مطالب المحتجين والخروج من النفق السياسي الذي يبدو أنه سيطول ظلامه، فقد بدا المشهد السياسي كأن لكل كتلة أو لكل سياسي نيته الخاصة التي تختلف عن نوايا الشعب وباقي الكتل فظهر الجميع عاجزاً عن السير إلى منتصف الطريق لتحقيق التوافق بينهما في سبيل إنقاذ العراق وتحقيق المصلحة العليا له للخروج من المأزق الذي يعيش فيه، وبالتالي استرداد قراره السيادي ولعب دوره الإقليمي والعربي، لأن الذي حدث باعتذار علاوي وانسحاب عبد المهدي يعني أننا عدنا إلى بداية أكتوبر عام 2019.

إذا كان المؤلم لنا كدول خليجية وعربية أن نقرأ ونسمع من تصريحات المسؤولين وتحليلات المراقبين عن طغيان حسابات سياسية على مصلحة الوطن حتى أعطوا بعض سياسيي العراق انطباعاً باللامبالاة لما يحدث، وإذا كان هذا الأمر صحيحاً فإن مثل هذا الطرح ستكون له تكلفة سيدفعها الجميع من الجوار العراقي، وإن كان القدر الأكبر سيدفعه الإنسان العراقي المغلوب على أمره والذي يحاول إنقاذ بلاده، فإن الخطر في عدم القدرة على تشكيل حكومة مستقرة أنه يعني وجود فراغ سياسي وفي مثل هذه الحالة يؤكد لنا التاريخ أن إيران تملأ كل الفراغات السياسية في المنطقة.

الأمر يحتاج إلى طرح عربي أو حتى دولي يساعد في إخراج العراقيين من المحنة التي غرقوا فيها بسبب الاختلافات التي بعضها له علاقة بحسابات دول إقليمية لها مصالحها في عدم استقرار العراق وبعضها يفضل العمل بطريقة معارضة كل شيء وليس محاولة المساعدة لإنجاح العملية السياسية.

إن مسألة عودة العراق إلى الصف العربي تزداد أكثر مع مرور الوقت مما كان عليه في الفترات السابقة خاصة مع تزايد الأطماع الإقليمية من الدول المجاورة للعرب، وبالتالي وجب على أبناء العراق من السياسيين الترفع عن صراع المصالح لأسباب غير وطنية والابتعاد عن تبادل الاتهامات وإلقاء كل طرف اللوم على الآخر بأنه السبب في إفشال أي حكومة، فهذا لا يحل الأزمة ولن يحقق المطالب الشعبية، المطلوب من الجميع اعتبار العراق ملفاً وطنياً ساخناً لكل التكتلات السياسية العراقية بالفعل والعمل لا بالكلام والمزايدة على الآخر، وعلى الزعماء العراقيين بكل أطيافهم أن يتحركوا لإنقاذ العراق الذي هو وطن جميع العراقيين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات