جبهات جديدة لمعارك ترامب

هجوم ترامب مؤخراً على قاضيتين بالمحكمة العليا الأمريكية يعتبر من أهم تجليات الأزمة العميقة، التي يعيشها النظام السياسي الأمريكي.

فقد وجه ترامب انتقادات لاذعة للقاضية سونيا سوتومايور بعد أن كتبت رأي الأقلية المعارضة، داخل المحكمة العليا، بخصوص حكم أصدرته المحكمة بأغلبية 4:5، فالمحكمة كانت قد نظرت قضية تتعلق بقرار لإدارة ترامب يقضي بحرمان المهاجرين واللاجئين من البقاء بالولايات المتحدة إذا ما استخدموا أياً من البرامج المتاحة للفقراء، مثل الرعاية الطبية أو برنامج مساعدات الحصول على السكن.

وكانت محاكم فيدرالية أدنى عدة قد اعتبرت مثل ذلك القرار غير دستوري، فرفعته إدارة ترامب للمحكمة العليا التي صوتت بالأغلبية لصالحه.

وقد كتبت سوتومايور، رأي الأقلية، وهو أمر معتاد بالمحكمة العليا، فقدمت دفوعها بعدم دستورية القرار وأسباب رفض الأقلية له، كما انتقدت إدارة ترامب حيث قالت: إن الإدارة تتعمد تجاهل قرارات محاكم الاستئناف الفيدرالية، أي المحاكم الأدنى، وتعتمد على رفع الأمر فوراً للمحكمة العليا، والحقيقة وجود أغلبية يمينية بالمحكمة يضمن لإدارة ترامب أن تحصل على ما تريد.

وقالت القاضية: إن تواتر لجوء إدارة ترامب لذلك في سنوات ثلاث، هي عمر إدارته، يفوق عدد مرات اللجوء للمحكمة العليا في عهدي بوش الابن وأوباما مجتمعين، أي على مدى ستة عشر عاماً، وما كتبته سوتومايور لا يخرج عن المعتاد في ما تكتبه الأقلية المعارضة لأي قرار.

ولم يوجه ترامب فقط انتقاده للقاضية سوتومايور، أول قاضية من أصول لاتينية بالمحكمة العليا، وإنما دعاها هي وزميلتها القاضية روث بيدر جينزبرج للتنحي عند التصويت على أية قضية تتعلق به أو تخصه.

والحقيقة أنه لا جديد في انتقاد الرؤساء الأمريكيين للمحكمة العليا، فهو أمر تكرر أكثر من مرة خلال القرن الماضي، حتى إن فرانكلين روزفلت كان قد ضاق ذرعاً بسلسلة القرارات التي أصدرتها المحكمة ضد البرامج الاجتماعية التي كانت قد وافق عليها الكونجرس.

وهي البرامج التي صارت في ما بعد، وحتى الآن، ذات شعبية طاغية بين الأمريكيين، مثل برنامج المعاشات المعروف باسم الضمان الاجتماعي، وبرنامجي الرعاية الطبية للمسنين والفقراء وأصحاب الحالات الخاصة.

وقتها سعى روزفلت لزيادة العدد الكلي لقضاة المحكمة التسعة حتى يختل توازنها لصالح برامجه فما كان من قضاة المحكمة إلا أن غيروا موقفهم بين ليلة وضحاها، ووافقوا على برامجه.

وتظل ملابسات تغيير المحكمة لموقفها غامضة حتى اليوم. ولم تتوقف انتقادات الرؤساء الأمريكيين للمحكمة منذ ذلك التاريخ وحتى عهد أوباما، غير أن تلك الانتقادات كانت تأتي من الرؤساء الأمريكيين حال تصويت المحكمة ضد سياساتهم.

أما الجديد في حالة ترامب، فهو أن القرار كان في صالحه أصلاً، ومع ذلك وجه انتقاده للأقلية. والجديد في موقف ترامب لا يقتصر فقط على ذلك الجانب، فهو لم يوجه انتقاده لقرار للمحكمة وإنما لقضاة بعينهم سماهم بالاسم، بل وطالبهم بالتنحي عند اتخاذ القرارات التي تخصه أو تتعلق بإدارته.

والحقيقة أن تلك ليست المرة الأولى التي تحدث فيها معركة شخصية بين ترامب والمحكمة العليا، فمنذ عامين تقريباً كان ترامب قد اتهم القضاة بالانحياز وفقاً للرؤساء الذين اختاروهم.

وهو ما اضطر رئيس المحكمة، جون روبرتس، وهو بالمناسبة قاض محافظ اختاره بوش الابن، لأن يصدر بياناً رفض فيه ما جاء على لسان الرئيس قائلاً: إنه لا يوجد بالمحكمة «قضاة أوباما أو قضاة ترامب، ولا قضاة بوش الابن أو قضاة كلينتون»، وليس خافياً أن انتقاد ترامب للقاضيتين يأتي قبل أسابيع من حكم مرتقب للمحكمة بخصوص سجلات ترامب المالية.

ومطلب ترامب بتنحي القاضيتين يظل غير مسبوق في تاريخ المحكمة، إذ إنه يناقض جوهر عملها، فالمحكمة العليا، بحكم الدستور الأمريكي، هي ثالث المؤسسات المتساوية، لجانب الكونجرس والرئاسة، والتي تمارس الرقابة على الأخيرتين، ومن ثم يستحيل على المحكمة أو أحد قضاتها التنحي عن القضايا التي تتعلق بالبيت الأبيض أو الرئيس شخصياً.

ومن هنا، يأتي ذلك التطور كونه واحداً من تجليات حالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه واشنطن، والذي ينذر بالمزيد من تقويض المؤسسات السياسية وقدرتها على أداء وظائفها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات