قصة الخمسين

للإمارات قصة تستحق أن تروى وأن تكون نموذجاً في بناء الأوطان والأمم. إنها قصة ملهمة تروي قصة شعب وقيادة، تلاحم الشعب والقيادة من أجل إنشاء كيان سياسي يعد اليوم من أنجح التجارب العربية والدولية التنموية الناجحة.

إنها قصة نجاح حقيقي على الصعد كافة: السياسية والاقتصادية والحضارية، قصة نجاح وضع أطرها الآباء المؤسسون وعمل على ترسيخ دعائمها الأبناء ومن خلفهم وقف شعب الإمارات بكافة شرائحه.

نجاح تجربة الإمارات يستحق أن تروى منذ أن كانت فكرة ترعرعت في صحراء الإمارات، واكتسبت أطرها المؤسساتية في «سيح السديرة» إلى اليوم حيث تعد ملتقى العالم ومبعث فخره ومحط أنظاره. إنها خلطة نجاح معروفة أسرارها، ولا يخفى على أحد سر نجاحها وتميزها.

نجاح الإمارات ووصولها إلى مراكز متقدمة في مؤشرات التنمية يقف وراءها فريق عمل يعمل ليلاً ونهاراً لجعل علم الإمارات يرفرف عالياً خفاقاً واسم الإمارات مرادفاً للنجاح والتميز.

إنها قصة جهد متواصل وقيادة آمنت بأن الشعب يستحق الأفضل وأنها تستبق الزمن ليس لتسجيل أرقام وإحصائيات تتباهى بها أمام الآخرين وإنما لتعويض الشعب عن كل ما فاته في سنوات الكفاف وقبل أن تعرف المنطقة النفط. إنها ليست قصة غائرة في القدم بل إنها في عرف التاريخ قصة حديثة العهد عمرها لا يتجاوز الخمسين عاماً.

احتفاء دولة الإمارات في العام 2021 بيوبيلها الذهبي مناسبة مهمة ليس فقط لأنها أثبتت أن جهود الآباء كانت صادقة وناجحة حين سعت لخلق دولة وترسيخ قواعدها، بل لأنها مناسبة لتذكير الأجيال الجديدة بأن دولة الإمارات هي ثمرة جهود مضنية وصادقة أتت أكلها طيباً.

فقد نجحت تلك الجهود في خلق دولة حديثة وعصرية تعيش في ظلالها مختلف الأطياف والعرقيات حيث لا تفرقة بينها ولا تمييز. إنها تقدم دروساً وعبراً في كيفية بناء الأوطان حين تتوفر النية الصادقة والرغبة الحقيقية في فعل الخير وفي تقديم المصالح العامة على الخاصة.

قبل حوالي خمسة عقود كان إنشاء دولة اتحادية مجرد فكرة في ذهن قائدين بدويين في منطقة لم تعرف من قبل أي شكل من أشكال الوحدة أو الدولة القومية. كانت المنطقة قبلية ومصادرها الطبيعية محدودة للغاية. ولكن القائدين كانا مصممين على إنشاء كيان قومي يضم قبائل المنطقة ومشيخاتها.

الكثير من المشككين في نجاح تلك التجربة في مقابل القليل من المراقبين الذين يعتقدون في إمكانية نجاحها. ولكن ذلك التشكيك لم يكن أبداً عائقاً. بالعكس فقد جعل الآباء المؤسسين أكثر إصراراً على المضي قدماً في محاولتهم تلك في إنشاء كيان اتحادي يستقي مبادئه من طبيعة المنطقة أكثر من أن يكون تجربة مستوردة.

ونجح الآباء المؤسسون وأصبح الاتحاد حقيقة ماثلة أمام الأعين. وفي غضون سنوات قلائل اشتد عود الاتحاد وأصبح من المؤثرين عربياً وعالمياً. فقد حظيت الإمارات بقيادة فذة ممثلة في المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي عرفِ بحكمته وحنكته السياسية ومواقفه القومية.

وعلى الرغم من صغر سنها، إلا أن دولة الإمارات لم تتوان في المشاركة الرمزية في حرب أكتوبر في العام 1973، وفي قطع البترول عن الدول المعادية للعرب.

كانت تلك مواقف جريئة لقائد عربي عرف كيف يوظف الثروة لخدمة قضايا شعبه والقضايا العربية. اقتصادياً، نجحت الإمارات في تنويع مصادر دخلها بعيداً عن الاعتماد على مصدر وحيد وهو النفط.

وفي غضون سنوات قلائل أصبحت الإمارات واحدة من أقوى الاقتصاديات في العالم العربي بل وفي العالم، وأصبحت مصادر الإمارات غير النفطية كالسياحة والتجارة والخدمات وإعادة التصدير، رافداً مهماً للدخل القومي. ليس ذلك فحسب بل نجحت الإمارات في استقطاب المستثمرين من جميع أنحاء العالم، حتى أصبحت تجربة الإمارات الاقتصادية نموذجاً للنجاح الاقتصادي.

خلال عقودها التالية كانت الإمارات لاعباً مؤثراً في الساحة الدولية على الرغم من أن ذلك الانشغال لم يلهها عن حركتها الداخلية التنموية ولا تفاعلها مع جوارها العربي والإسلامي. فقد نجحت الإمارات في تبني معادلة تنموية فريدة جعلها حديث العالم.

فلم تلهها مشاريعها التنموية الداخلية عن الانغماس في الهموم العربية وهموم العالم الإسلامي. فقد كانت تمسح الجراح وتقدم العون لكل من استغاث بها. تلك هي قصة دولة الإمارات التي تستحق اليوم أن تروى وأن تدخل التاريخ كأنجح قصة من قصص نجاح الشعوب، وتخطيها لعوائق التنمية وتقلبات السياسة والاقتصاد. إنها قصة الخمسين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات