ماذا نريد من الاتصال الحكومي؟

قبل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، كان اختراع الآلة البخارية هو الحدث الأعمق تأثيراً في التاريخ، فاختراع الآلة غيّر في بنية الطبقات الاجتماعية وفي مفهوم العلوم والمهارات، وأحدث تحولات كبيرة في المفاهيم الاقتصادية وقوانين التجارة والأسواق، ووضع أُسساً جديدة لموازين القوى العالمية.

لكن ما أحدثته ثورة الاتصالات كان أعمق وأوسع تأثيراً، إذ أصبح الاتصال أحد الشروط الأساسية لاستقرار الأسواق وتعزيز تنافسية الدول وتمتين العلاقات الاجتماعية، فقد تكفي معلومة من مصدر يتقن فن التخطيط والتنفيذ لأن تربك الأسواق وتخلط الأوراق وتطيح بمؤشرات أسواق المال وتضعف قدرة الآلات على الإنتاج، كذلك الحال في السياسة والصحة والثقافة وغير ذلك.

إن العامل الأهم في تفوق قوة ثورة الاتصال أنها تتعلق بالمعلومة، وبالثقافة والوعي، وكل هذه مجتمعة تحدد ممارسات الأفراد والمؤسسات والمنظمات، وتصيغ مواقفهم ورغباتهم، تخلق التأييد أو المعارضة، إنها تجعلهم يلتفون حول كيان ما أو ينفضّون عنه، ولا ننكر قوة الرأي العام، فهي الأكثر تأثيراً من باقي القوى الأخرى.

أما العامل الآخر الذي يُسجل لصالح ثورة الاتصال أن أدواتها متاحة، وليست حكراً على الدول والمؤسسات الرسمية، كما كانت الآلة في بدايات ظهورها، وأن قوة هذه الأدوات تتعلق بمهارة الاستخدام والقدرة على التنظيم، وهي مهارات يتقنها الكثيرون، وباستخدامها السليم تحقق الكثير من طموحات المجتمعات، إلا أن هناك فئات تمتلك أجندات ضد صالح المجتمعات وطموحاتها، فتستغل الفضاء الإلكتروني المفتوح، للتسلل إلى المساحات المتاحة في وعي الجماهير ومعرفتها.

ما الذي تعنيه هذه المعادلة؟ إنها تعني أن مشهداً عالمياً جديداً بدأ بالتشكل، وموازين القوى باتت تختلف عن تلك التي ألفناها، نحن ماضون بلا شك نحو خريطة جديدة للعالم تدار بقواعد جديدة أيضاً.

خلال السنوات والعقود المقبلة، ستبرز مجتمعات وشركات ومؤسسات لم تكن حاضرة بهذه القوة في الماضي.

وسيضعف حضور مؤسسات وشركات أخرى كنا نظن أنها باقية في مكانتها ولن يتغير عليها شيء.

ولا نغفل أهمية الابتكار الذي سيتفوق عبر التاريخ، بل سيصبح كل ابتكار بدايةً لتاريخ جديد.

قوانين العرض والطلب التي نعرفها لن تكون صالحةً لتحقيق نجاح المؤسسات، اليوم هناك قوانين جديدة بدأت تؤثر بقوة على الشارع العام، إنها القدرة على التواصل والإبداع في استخدام التقنيات الجديدة وتحديد غايات الاتصال، وفهم الجمهور واحتراف العلاقة معه.

من سيمتلك ساحة الاتصال سيمتلك قوة عظمى تعجز أمامها القوى الأخرى، وهي الرأي العام.

هذه الأهمية للاتصال في الحاضر والمستقبل تجعلنا نفكر ملياً بالكيفية التي بها نكون أمناء على ساحة الوعي، أمناء على الحقيقة والموضوعية وعلى الأهداف النبيلة للاتصال، وأولها ترسيخ القيم والمبادئ وأسس الحوار والتعاون، وثانيها أن يكون الاتصال شريكاً في تنمية المجتمعات وبناء وعيها وفضاء حوار حول كيفية الارتقاء بجودة حياتها وتلبية احتياجاتها.

نحن في إمارة الشارقة ودولة الإمارات العربية المتحدة فخورون بكوننا سبّاقين نحو رفع راية الاتصال الحكومي وقيادة مهمة تطويره، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حوله، والتي كانت تحتجزه في مساحة ضيقة لا تتناسب مع مكانته ودوره.

فخورون بما حققناه حتى الآن من خطوات تتجلى في تنافس المؤسسات على تطوير علاقاتها مع الجمهور من خلال تطوير مهاراتها في التخطيط والإعداد واختيار الرسائل المناسبة لتنفيذ اتصال فعّال.

وفخورون أكثر لأننا في بلد يمتلك أهم عناصر الاتصال الحكومي الناجح، لدينا التاريخ والتراث والثقافة والمنجزات على الصعد كافة، ولدينا أكثر من 200 جنسية تعيش على أرضنا في إطار من التسامح والتفهم للاختلافات، لدينا المواقف الإنسانية النبيلة تجاه المجتمعات المتضررة بسبب الصراعات أو تعرقل مسيرة التنمية، وما نريده من الاتصال الحكومي هو أن يقدم هذه الحالة للشعوب والأمم بأوضح صورها، وأن يستثمرها في تعزيز صورتنا وترسيخ مكانتنا الريادية العالمية.

وللحديث بقية في الدورة التاسعة من المنتدى الدولي للاتصال الحكومي في الشارقة يومي 4-5 مارس الجاري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات