هل يستطيع العراق الخروج من عباءة إيران؟

مع أن هناك أزمات عديدة تعصف بالواقع السياسي العراقي وتقلق استقراره، إلا أن هناك أزمتان رئيسيتان شخصتهما انتفاضة أكتوبر بدقة ووعي أولاهما انهيار شرعية الطبقة السياسية التي حكمت العراق منذ التغيير في 2003 وثانيهما نفوذ إيران وهيمنة الميليشيات الموالية لها على مفاتيح العملية السياسية. الأزمتان مرتبطتان ببعضهما بعضاً فالإتيان بطبقة سياسية تحظى بالشرعية لا يتأتى ما لم يُحاصر النفوذ الإيراني ويُحجم دوره.

الموضوع الذي نحن بصدده لا يمكن مقاربته بموضوعية من غير التطرق إلى جذوره الضاربة في عمق التأريخ، والتي لا تزال حية في أذهان قيادات التيار القومي العنصري في إيران، وهي القناعة بأن العراق جزء من الإمبراطورية الفارسية. مستشار الرئيس الإيراني علي يونسي لم يجد حرجاً عندما صرح في مارس 2015 بأن «إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت سابقاً وعاصمتها بغداد، وكل منطقة الشرق الأوسط إيرانية». القيادات الإيرانية هذه لا تريد أن تصحو من إغفاءاتها الطويلة الحالمة، وتعي حقيقة أن التاريخ قد أصدر أحكامه وقال قولته، فأصبحت جميع إمبراطوريات العصور الغابرة بلا أي استثناء في «خبر كان» وتحولت العاصمة الساسانية طيسفون «المدائن» إلى أنقاض وخرائب.

إيران بدأت بالهيمنة على العراق منذ البدايات الأولى للغزو الأمريكي حين فتحت الولايات المتحدة البوابات على مصارعها للتغلغل الإيراني عبر الميليشيات التي تكن لها الولاء التام، والتي وقفت إلى جانب قواتها إبان سنوات الحرب مع العراق، ومن خلال من اصطنعتهم لاحقاً مستغلة حالة الضياع التي أصبح بها العراق بعد أن احتلت أرضه وفككت دولته.

نفوذ إيران في العراق لا يقتصر على منطقة دون غيرها، فهي حاضرة هنا بفعل حلفائها أو ذيولها وحاضرة هناك بفعل هيمنة ميليشياتها، تغلغلها في العراق أصبح مؤسساتياً لأنها عملت على تدمير مرافق الحياة الاقتصادية في الصناعة والزراعة والتجارة وربطتها بالاقتصاد الإيراني. وغني عن البيان ما يترتب على ذلك من تبعية سياسية أخلت بالتوازنات الحساسة في منطقة الشرق الأوسط، فقد أصبحت إيران عنصراً سلبياً وأحد الثوابت التي تتحكم في معادلات التوازن المختلة لتديم اختلالها.

الولايات المتحدة تواجه صعوبات شديدة لإبعاد العراق عن إيران فهي تمارس ضغوطاً على الطرفين من أجل تحقيق ذلك، فالعقوبات الشديدة المفروضة على إيران هي العقوبات المفروضة في الوقت نفسه على ميليشياتها المنتشرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والتي أفقرت مالياً إلى أبعد الحدود، ولكن ما لم تتمكن منه الولايات المتحدة هو تجفيف منابع الأموال العراقية التي تصل إلى هذه الميليشيات.

أما الضغوط التي تمارس على العراق فهي من نوع آخر، بدأت الولايات المتحدة بالتهديد بالأخذ بها بعد أن أصدر مجلس النواب العراقي قراره بإخراج قواتها، فقد باتت تستخدم مدد السماح للعراق باستيراد الكهرباء والغاز من إيران وسيلة للضغط، فهذه المدد في تقلص مستمر، فآخرها كانت خمسة وأربعين يوماً فقط بعد أن كانت تسعين يوما ًوقبلها مائة وعشرون يوماً وهذا السماح مهدد بالإلغاء، ومن ثم فرض العقوبات في حالة خرقه.

أما على المحور العسكري، فللولايات المتحدة أكثر من مدخل حساس لتسليط ضغوط قوية ومؤثرة على قدرات القوات المسلحة العراقية خاصة أنها تسيطر على سماء العراق، فتقليص حجم انشغالاتها بالحرب على داعش عملياتياً واستخبارياً وتباطؤ أو تعليق مهام التدريب أو تأخير أو إيقاف أعمال الصيانة للمعدات العسكرية أو التأخير أو التوقف عن تقديم قطع الغيار والعتاد للدروع والطائرات. وعلى المحور السياسي، صعدت الولايات المتحدة ضغوطاتها على الحكومة العراقية منذ اندلاع الانتفاضة في أكتوبر الماضي، مكتفية بالتنديد بأساليب العنف والقمع التي تمارسها الأجهزة الأمنية والميليشيات، مبدية تعاطفها مع حركة الاحتجاج السلمية ومطالبها، إلا أن بقدرة الإدارة الأمريكية ما هو أمضى من هذه ومن تلك، وهو ما يتعلق بأموال العراق بالبنك الفيدرالي الأمريكي، حيث تودع أموال النفط العراقي في حساب خاص تمتلك إدارة البنك صلاحية تحويل بعضها شهرياً لحساب البنك المركزي العراقي.

ويبقى النجاح باستعادة العراق وإبعاده عن الفلك الإيراني منوطاً إلى حد بعيد بوجود إرادة حقيقية للطبقة السياسية ومن يمثلها في الحكم، وهو ما نأمل أن تحققه انتفاضة أكتوبر طالما حافظت على زخمها.

* كاتب عراقي

طباعة Email